فلسطين أون لاين

6 ساعات من الصراخ والتعذيب تحت أنظار جنود الاحتلال

تقرير محمد بهار.. مصاب بالتوحد ومتلازمة داون قضى بعد أن نهشه كلب عسكري إسرائيلي

...
محمد بهار قضى بعد أن نهشه كلب عسكري إسرائيلي
غزة/ يحيى اليعقوبي

على مدار ست ساعات من الألم والصراخ ونزيف الدماء، لم يتحرك جنود جيش الاحتلال لإبعاد كلبهم العسكري وهو ينهش يد محمد بهار (25 سنة) المصاب بطيف التوحد ومتلازمة داون،  لحظة اقتحام منزله في 3 يوليو/ تموز 2024، بل زادوا مأساته عندما أشهروا أسلحتهم تجاهه وتجاه عائلته المتجمعين في صالون المنزل، كان أفراد العائلة ينظرون لصرخات شقيقهم بأياد عاجزة عن التحرك وعيون باكية وهم يرون كل هذه الوحشية تفرغ في شقيقهم الذي لا يزيد استيعابه العقلي عن طفل بعمر ثلاث سنوات.

 كانت ملامحه واضحة بأنه مصاب بمتلازمة داون لطائرة "درون" التي تجولت بالمنزل، ثم للكاميرا المثبتة على الكلب الذي اقتحم المنزل بعدها، وكانت واضحة للجنود الذين تلذذوا على تعذيبه وتركوه فريسة لكلب متوحش لا يقل وحشية عن الجنود أنفسهم، فبعدما أنزل الجنود العائلة للطابق السفلي، سحبوا محمد لغرفة أخرى، كانت شقيقته سارة تسمع أنينه على مدار ثلاث ساعات، وطلبه للماء، وحاجته للإسعاف، ثم طلب العائلة الخروج من المنزل لثلاثة أيام وعندما عادوا بعد انسحاب الجنود كان محمد جثة هامدة وأسفله بقع دماء وآثار نهش يده، شاهدة على جريمة صمت العالم عليها.

يوم 3 يوليو/ تموز 2024 الساعة 12 ظهرًا، كانت سارة بهار (34 سنة) وشقيقها محمد المصاب بمتلازمة داون يجلسون  في منزلهم الواقع بشارع "النزاز" بحي الشجاعة شرق مدينة غزة، برفقة نحو 17 فردا من أشقائها وزوجاتهم وأطفالهم.

sarah_bhar_muhammad.jpg

في لحظة انقلب المشهد مع أصوات انفجارات متتالية، اعتقدوا أنه سيتوقف ويعود الوضع لما كان عليه، تروي بهار لصحيفة "فلسطين" وهي تستعيد التفاصيل من الذاكرة ببطء مؤلم: "رأينا الناس تركض وسط صراخ أن "جيش الاحتلال اقترب"، ارتدينا ملابسنا وخرجنا من باب البيت ففوجئنا بوجود الدبابات على الباب فرجعنا لداخل المنزل".

لم يكن من السهل على العائلة اقناع محمد بالتحرك، فهو اعتاد الجلوس على أريكة معينة طيلة حياته ولا يغيرها، يمتاز بطباع عنيدة فيتحرك عندما يريد هو فقط، وأضافت: "بقينا أسبوعًا  والدبابات تتحرك في كل مكان ما صعب تحركنا. كنا نختبئ في دورة المياه فكان المكان الوحيد الأكثر أمنا، وعندما نشعر بابتعاد صوت الدبابات نخرج للممر وبقينا أسبوعا على هذا الحال، لكن عندما حدث تفجير قرب جدران دورة المياه، بدأنا بالزحف واحدا تلو الآخر تجاه غرفة أخرى".

بقي محمد وحيدا على الكرسي طيلة اختباء عائلته في دورة المياه، وعندما هدأت الأوضاع قليلا قربته منهم داخل الصالون، "عندما زحفنا على الغرفة مع خطورة الوضع لم يقبل أن يأتي معنا على الغرفة وبقي في الصالون" تروي.

لم تمض لحظات حتى بدأت بهار وعائلته يشعرون بوجود أقدام تتحرك في الطوابق السفلي في منزلهم المكون من ست طبقات، مع حديث بلغة عبرية أيقنوا أن جنود جيش الاحتلال اقتحموا المنزل، تعيش المشهد من جديد: "أرسلت رسالة هاتفية  لأخي الموجود بمنطقة أخرى أن الجيش اقتحم المنزل وأغلقت الهاتف".

الكلب العسكري

"أرسلوا طائرة "درون" صورتنا جميعا، ثم هجم علينا كلبان، كل كلب كان يركض تجاه كل واحد فينا، كنا نبعدهم عنا ونبتعد عنهم، كان هناك كاميرا مثبتة على رأس الكلب، ملامح محمد كانت واضحة أنه مصاب بمتلازمة "داون" هذا بداية الحدث الدامٍ.

 تخرج الكلمات من ذاكرة مثقلة بالرعب: "نهش الكلب أخي محمد من صدره فصرخ من الوجع، وفي المرة الثانية استدار حوله وعضه من يده اليسرى وبقي ينهش فيها حتى سالت الدماء، ومن شدة الوجع بدأ أخي يضع يده على رأس الكلب ويحدثه "سيبني حبيبي. خلص" وهي جملة تعلمها منا عندما كان يخاف من القصف كنا نضع يدنا على رأسه".

تستعيد الحدث، ولم يغب الحزن عن نبرتها وهي تقول: "عندما سالت دماء أخي محمد، استشرس الكلب وزاد في نهش يده، وهو يصرخ وبدأنا بالنداء على الجنود واستمر هذا الوضع نحو عشرين دقيقة، وأخبرناهم أنه يعاني من متلازمة داون، لكنهم أشهروا أسلحتهم تجاهنا ومجموعة أخرى أشهرت سلاحها تجاه محمد، وحجزونا بغرفة بالطابق السفلي لعدة ساعات، قلت لهم إنه يجب احضار إسعاف".

بعد ثلاث ساعات، سمح الجنود للعائلة بالرجوع لنفس الشقة، لكن لم يكن محمد موجودا على "الكرسي" الذي كان يجلس عليه، تاركا خلفه آثار بقع دماء ما يدل على انفجار بأحد الشرايين وحدوث نزيف، وكانوا قد حجزوه بغرفة وحجزوا شقيقه سيف بغرفة أخرى.

262774-آثار-دماء-محمد-صلاح.jpg

تعيد سرد لحظات لا زالت تطاردها: "كان هناك كاميرات ومتفجرات ركبها الجنود، خشيت أن يفجروا البيت بنا، سمعت صوت محمد يطلب الشرب، فأخبرت الجندي أنه يريد الماء، أخذ جندي زجاجة المياه مني لكن أوقفه جندي آخر وتراجع، كنت أسمعه يتوجع وقلبي يتقطع لأن الجنود لا يستجيبون لنا، كانت ملامحه توحي لهم أنه مصاب بمتلازمة داون، وهم عرفوا ذلك من عدم استجابته لشيء، لكن دون أي تحرك منهم وطوال الوقت كانوا يخرجون لغرفته ويخرجون والدماء تنزف. الساعة السادسة مساءً، دخل جندي عليه وخرج وأشار لزميله بمعنى انتهى، فهمت أن أخي استشهد".

بينما كان محمد ينزف وتسيل دماؤه وتعتصر قلوب العائلة ألما نتيجة العجز، كان الجنود يرقصون ويغنون، غير آبهين بوجع محمد الذي لم يعرف حتى من هؤلاء الغرباء، فكل ما كان يعرفه في هذه الحياة الطعام والشرب وعائلته وذلك الكرسي الذي يمضي يومه كاملا بالجلوس عليه حتى استشهد وهو جالس عليه، ولتبقى بقع الدماء شاهدة على واحدة من أبشع مجازر الحرب.

"بعد المغرب، أخرجونا من الغرفة، حاولت فتح بابها لأرى محمد لكن وقف جنديان أمامي ومنعوني، قال لي أحدهم: "محمد خلص راح مش هان"، وأخبرونا أن نرفع رايات بيضاء ونخرج، وأنهم نسقوا مع الدبابات والجنود بالخارج لخروجنا، وعندما خرجنا أطلقت الدبابات الرصاص علينا احتمينا داخل حاصل ثم في بيت مقصوف، وهنا أرسلوا طائرة مسيّرة "كواد كابتر" وبدأت بإطلاق النار علينا، فكتبنا على أيدينا رقم هاتف أخي الموجود بمنطقة أخرى في حال استشهدنا".

علامات تعذيب شديد

 

مع مغادرة العائلة المنطقة، بقي الجميع ينتظرون بقلق مصير شقيقهم، حتى انسحب جيش الاحتلال في 10 يوليو/ تموز، تعيد وصف ما جرى وكأنها تراه أمامها: "عندما انسحب جيش الاحتلال، وصل أفراد من العائلة للمكان ووجدوا محمد بنفس الغرفة التي منعني الجنود الدخول إليها جثة هامدة، حاولوا نقله لكن وجود الطائرات الحربية منعهم من حمله، فدفنوه قرب البيت ولاحقا نقلناه لمقبرة رسمية".

اطلعت صحيفة "فلسطين" على صور مأساوية للحظات الأولى لوصول العائلة لجثة محمد، والتي تظهر نهشا كبيرا في ذراعه الأيسر، وغرق ملابسه بالدماء التي ملأت بقع أرضية الغرفة التي احتجزه الجنود فيها، وتراشقت الدماء أيضا على الجدران، وتظهر الصور بقع الدماء تملأ الكرسي الذي كان يجلس عليه في الصالون.

يمتزج صوتها بين الألم والعجز "عندما خرجنا لم نعرف كيف استشهد؟، هو يخاف من الغرباء والصوت العالي، لم نعرف هل ظل جائعا أم لا؟، لأن آخر كلمة طلبها أنه يريد الماء ولم يرووا".

تصف شقيقها بأنه بعمر طفل بـ "عمر ثلاث سنوات"، بقلب مليء بالأسي تقول: "ملامحه كانت واضحة لكنهم تلذذوا في تعذيبه،  بل كانوا يأكلون أمام أطفالنا وكنا وقتها نعيش في مجاعة، وأطفالنا ينظرون إليهم بحسرة، وكانوا يمسحون أحذيتهم بملابسنا".

مشهد مؤلم

لم يكن محمد يحب الخروج من منزله، ولا حتى الابتعاد عن كرسيه الذي يجلس عليه طوال الوقت ويتجمع حوله أفراد العائلة للعب معه، لكن خلال الحرب نزح مع عائلته وتنقل ورأى الحياة ، ولم تكن شقيقته تتوقع أن تنتهي حياته بهذه المأساة، بنبرة عتاب تقول: "كانت أمي متعلقة به وحتى الآن تلوم نفسها أنها لم تستطع إبعاد الكلب عنه، رغم أننا كنا نجلس بنفس الصالون .عندما نهشه الكلب ارتخت يده وشعرت أنه فقد الوعي، وقام الجنود بسحبه وهو ينزف كان مشهدا مؤلما".

لم تتخيل بهار أن يتحول شقيقها الذي كما تصفه كان "مصدر حسنات أفراد العائلة" ويتسابق الجميع للعب معه لهدف لجنود جيش الاحتلال، فلم يعرف من الدنيا سوى الطعام والشرب واللعب وحب الأرانب والقطط، وإضافة لمتلازمة "داون" كان يعاني من طيف التوحد، ويحب العزلة والجلوس على الأريكة التي استشهد عليها.

وثقت مؤسسات حقوقية جريمة قتل المصاب بطيف التوحد ومتلازمة داون محمد بهار، الجميع تحدث عن الجريمة المروعة التي ارتكبها كلبٌ عسكري بتوجيه من جنود جيش الاحتلال الذين تبادلوا الضحكات والرقص والغناء بينما كان محمد ينزف أمامهم، ينظر إليهم ببراءة، حتى الكلب لم يفه براءته بالرغم من أن ملامحه كانت تخبرهم أنه مصاب متلازمة "داون"، ولا زالت العائلة تبحث عن العدالة، ومحاسبة جنود جيش الاحتلال الذين اقترفوا الجريمة، وفتح الجريمة المغلقة.

المصدر / فلسطين أون لاين