حذّر رئيس المعهد الوطني للبيئة والتنمية، د. أحمد حلس، من تداعيات كارثية للواقع البيئي في قطاع غزة، مؤكدًا أن تراكم الركام والنفايات بات يشكّل بيئة خصبة لنمو “مسببات الأمراض” وانتشارها عبر الحشرات والقوارض، مع الانهيار شبه الكامل لمنظومة الخدمات البيئية. ووصف ما يجري بأنه “إبادة بيئية” ممنهجة، تتفاقم بفعل الحصار المستمر برًا وبحرًا وجوًا.
وأوضح حلس، لصحيفة "فلسطين”، أمس، أن القطاع يواجه واقعًا بيئيًا “معقدًا وخطيرًا”، بعد تدمير معظم البرامج والمشاريع البيئية الاستراتيجية التي تُعد ركائز للأمن البيئي، بما يشمل قطاعات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات الصلبة ومشاريع التنمية.
وأشار إلى استهداف محطات معالجة مياه الصرف الصحي ومحطات التحلية، إلى جانب عشرات محطات معالجة مياه الخزان الجوفي، ما أدى إلى تدهور حاد في جودة المياه وتفاقم المخاطر الصحية.
سموم متراكمة وخطر على المياه الجوفية
وبيّن حلس أن تدمير مكبات النفايات الصحية في مناطق شرق غزة، مثل جحر الديك ووادي السلقا والفخاري، أدى إلى تكدّس النفايات في المناطق الغربية المكتظة بالسكان والنازحين، وهي مناطق حساسة لوجود الخزان الجوفي.
وقدّر حجم النفايات المتراكمة بنحو نصف مليون طن، يشكّل المكوّن العضوي منها ما بين 50 و60%، ما يؤدي عند تحللها إلى إنتاج “عصارة سامة” شديدة الخطورة. وأوضح أن الطن الواحد من النفايات ينتج ما بين 150 إلى 200 لتر من هذه العصارة، التي تتسرّب إلى التربة الكركارية وتصل إلى الخزان الجوفي، المصدر الوحيد للمياه في القطاع، مهددة بكارثة بيئية وصحية.
وأضاف أن البلديات لا تتمكن من جمع سوى 500 طن يوميًا من أصل نحو 2000 طن من النفايات المنتجة، نتيجة نقص الإمكانات والوقود، ما يؤدي إلى تراكم مستمر في الشوارع والمناطق السكنية.
كما حذّر من انتشار الروائح والغازات السامة، وتأثيرها المباشر على الجهاز التنفسي، إضافة إلى أضرارها على المزروعات والبيئة العامة، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وذوي المناعة الضعيفة.
تراجع الزراعة ومخاطر الاستخدام الخاطئ للنفايات
وفي الجانب الزراعي، أشار إلى تراجع المساحات الصالحة للزراعة بعد سيطرة الاحتلال على نحو 56% من أراضي القطاع، إلى جانب الاكتظاظ السكاني الحاد.
وحذّر من لجوء بعض المزارعين لاستخدام العصارة الناتجة عن النفايات كسماد، موضحًا أنها غير صالحة حاليًا بسبب احتوائها على مواد سامة، ما يشكل خطرًا مباشرًا على التربة والإنسان.
ولفت حلس إلى أن نحو 60 إلى 65 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير المباني يشكّل بيئة مناسبة لتكاثر الفيروسات والبكتيريا، فضلًا عن تحوّله إلى مأوى للحشرات والقوارض والزواحف، التي تنقل الأمراض إلى مناطق سكن النازحين.
وأكد أن هذا الواقع يسهم في تسارع انتشار الأمراض والأوبئة، في ظل بيئة صحية منهارة وانتشار المياه العادمة والملوثات.
وبحسب مؤسسات أممية، فقد تعرّضت أكثر من 1800 منشأة صحية للدمار الكلي أو الجزئي، ما فاقم من صعوبة مواجهة الأوبئة، في وقت تُسجّل فيه آلاف الحالات المرضية يوميًا.
تدمير مشاريع التنمية وتعميق الأزمة
وأشار حلس إلى أن “الإبادة البيئية” شملت أيضًا تدمير مشاريع حيوية، مثل إعادة تدوير الورق والبلاستيك والنفايات العضوية، التي كانت تسهم في تخفيف الضغط البيئي وتعزيز الاستدامة.
وأوضح أن غياب الحلول الجذرية، واستمرار الحصار، يمنعان إعادة بناء البنية التحتية أو إنشاء مرافق جديدة لمعالجة النفايات، أو حتى تنفيذ برامج مكافحة القوارض، ما ينذر بتفاقم الأزمات.
وأكد أن خروج نحو 85% من مصادر المياه عن الخدمة، إلى جانب العوامل البيئية والصحية الأخرى، يدفع نحو تدهور خطير في الوضع الصحي للسكان، محذرًا من أن استمرار هذا الواقع قد يجعل القطاع غير صالح للحياة.
واختتم بدعوة المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم للضغط من أجل إنهاء الحصار، والسماح بإدخال الإمكانات اللازمة لإنقاذ ما تبقى من مقومات الحياة في غزة، قبل تفاقم الكارثة إلى مستويات غير قابلة للاحتواء.

