في خضمّ هذا الظرف الاستثنائي الذي تعيشه القضية الفلسطينية، يأتي الحديث عن الانتخابات البلدية بوصفه أكثر من مجرد استحقاق إداري؛ بل محاولة لقراءة مزاج الشارع بعد مرحلة مفصلية كالتي أعقبت “الطوفان”.
اختيار هذا التوقيت تحديدًا، في ظل ما تعانيه الضفة الغربية من تضييق وخنق واقتحامات، إلى جانب حصر التجربة في قطاع غزة — الذي يرزح تحت وطأة حرب مستمرة منذ سنوات — ضمن بلدية واحدة هي بلدية دير البلح، يطرح تساؤلات مشروعة حول الأبعاد السياسية والإعلامية لهذه الخطوة. فمثل هذا الانتقاء لا يبدو معزولًا عن سياق “قياس رجع الصدى” أو ما يُعرف بالتغذية الراجعة، لاستشعار تحوّلات الشارع بعد الحرب، ومدى تأثيرها في القناعات والاختيارات.
ومع ذلك، فإن إجراء الانتخابات في ظل ظروف ضاغطة يظل محل نقاش؛ إذ كان بالإمكان اختيار توقيت أكثر استقرارًا يضمن مشاركة أوسع، ويُنتج قراءة أدق لنبض الناس. فالانتخابات البلدية ليست مجرد إجراء إداري، بل مرآة للثقة الشعبية، وأداة لإعادة بناء الإدارة المحلية على أسس راسخة.
وللعلم، فإن الانتخابات البلدية لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورةٌ ملحّة. فقد مضت سنوات طويلة منذ آخر انتخابات بلدية عام 2005، والتي أفرزت واقعًا لا يزال قائمًا حتى اليوم، في وقت تتفاقم فيه التحديات الخدمية والإنسانية، لا سيما في قطاع غزة، حيث خلّفت الحرب آثارًا عميقة على البنية التحتية وحياة الناس اليومية. وهذا الواقع يفرض الحاجة إلى مجالس بلدية فاعلة، قادرة على إدارة الأزمات، والمساهمة في إعادة الإعمار، وتقديم الخدمات بكفاءة ومسؤولية.
كما أننا نتطلع إلى بروز وجوه جديدة، تمتلك الكفاءة والخبرة والتدرّج المهني، بعيدًا عن منطق المحاصصة الفصائلية أو الاعتبارات العائلية، التي قد تُوجّه بوصلة الاختيار نحو الانتماء لا الأداء. فالعمل البلدي في جوهره عملٌ خدمي مهني، يقوم على التخطيط والإدارة والقدرة على اتخاذ القرار، لا على الوجاهة أو الاصطفاف.
إن أي انحراف في معيار الاختيار — من الكفاءة إلى التوجّه — ينعكس مباشرة على جودة الخدمات، وثقة الناس، ومستقبل العمل المحلي. ومن هنا، فإن المرحلة القادمة تتطلب وعيًا مجتمعيًا أعلى، يُعيد الاعتبار لمعيار “الأقدر على الخدمة”، لا “الأقرب في الانتماء”.
في المحصلة، تبقى الانتخابات البلدية ضرورة إصلاحية لا غنى عنها، لكن نجاحها مرهون بحسن إدارتها، وتوسيع نطاقها بشكل عادل، وتهيئة بيئة نزيهة، واختيار واعٍ يُعبّر عن تطلعات الناس، لا عن حسابات اللحظة.

