﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ الإنسان: 8
في محرقة الغدر والإبادة، حيث يُقتل الأحياء وتُثقل القلوب بما لا يُحتمل، لا تنطفئ القيم حين يشتدّ الظلام، بل تتوهّج. في غزة، لم تكن المواجهة عسكرية فحسب، بل تحولت إلى اختبار أخلاقي عارٍ أمام العالم، حيث تجسدت منظومة القيم في أقسى لحظات الألم. هناك، حيث الجراح مفتوحة والمجاعة تضرب بعمق، برزت صورة مغايرة: مقاومة تُطعم الأسير على حبّ الطعام، وتحفظ له إنسانيته، في مشهد يتجاوز التوقعات ويعيد تعريف معنى القوة. فالقوة هنا لا تُقاس بالبطش، بل بالقدرة على التمسك بالقيم حين ينهار كل شيء.
هذا التجلّي الأخلاقي لا يأتي من فراغ، بل من مرجعية راسخة تستحضر معنى الإنسان حتى في قلب الصراع. وفي المقابل، تتهاوى أقنعة الخطاب الذي يدّعي الإنسانية حين يُختبر على أرض الواقع. فبينما يرتفع الصوت مطالبًا بـ“معاملة إنسانية” لأسرى الجيش في غزة، يُغضّ الطرف عن آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون الجوع والإهمال والانتهاكات، وقد سقط منهم العشرات منذ اندلاع الحرب. هنا تتكثف المفارقة: من يطالب بالالتزام بالقانون الدولي، يتجاوزه عمليًا؛ ومن يستدعي اتفاقيات جنيف، يفرغها من مضمونها حين تتعلق بخصمه. وهذا ليس خللًا أخلاقيًا فحسب، بل أزمة مصداقية عميقة: كيف يُقنع العالم بإنسانية مطالبه وهو لا يعكسها في سلوكه؟ إن من يطالب بحقوقه، لا بد أن يبدأ باحترام حقوق الآخرين.
على الضفة الأخرى من الصورة، برز نموذج مختلف في التعامل مع الأسرى، نموذج جعل من القيم معيارًا للسلوك حتى تحت الحصار والنار. وقد تابع العالم خلال عمليات التبادل في نوفمبر 2023، وفي يناير 2025، وكذلك بعد مجزرة النصيرات التي قُتل فيها المئات من أجل تحرير أربعة، صورًا وشهادات أثارت تساؤلات واسعة حول الفارق في المعاملة. تحدّثت أسيرات سابقات لدى المقاومة عن ظروف إنسانية مقبولة، وعن تعامل منضبط، بل إن بعض الشهادات الإعلامية أشارت إلى تحسن في الحالة الصحية والنفسية للأسرى، ما يعكس مستوى من الانضباط الأخلاقي في ظرف استثنائي. وهذه الشهادات—بصرف النظر عن الجدل حولها—تفتح باب المقارنة الموضوعية بين سلوكين متقابلين، وتطرح سؤالًا جوهريًا حول معيار الإنسانية في زمن الحرب.
والمفارقة الأكثر إيلامًا، أن هذا السلوك جاء في ظل مجاعة تضرب غزة وأهلها، حيث يفتقر السكان إلى أبسط مقومات الحياة، ومع ذلك يُقدَّم للأسرى ما قد لا يتوفر للمقاتلين أنفسهم الذين أنهكهم الحصار. هنا تستعيد الآية معناها الحي: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ…﴾، لا كنص يُتلى، بل كقيمة تُمارَس في أقسى الظروف. إنها منظومة أخلاقية تتجاوز رد الفعل، وتؤسس لسلوك منضبط حتى في لحظة الغضب والانكسار.
في المقابل، تتراكم تقارير وشهادات عن انتهاكات جسيمة بحق الأسرى الفلسطينيين، وصولًا إلى الدفع نحو تشريعات خطيرة كقانون الإعدام، بعد أن قضى في السجون نحو 90 شهيدًا نتيجة التعذيب والانتهاكات وسوء المعاملة والإهمال الطبي، وهو ما وثقته جهات حقوقية دولية في مناسبات متعددة. وتبرز في هذا السياق قضايا مثل معتقل (سيدي تيمان)، الذي تحول إلى رمز للانتهاكات، حيث وردت تقارير عن وفيات داخل الاحتجاز، وبتر أطراف، وادعاءات بوقوع اعتداءات جسدية وجنسية. كما أثار اقتحام مجموعات متطرفة للمعتقل ومحاولات عرقلة التحقيقات تساؤلات جدية حول جدية المساءلة الداخلية ومدى استقلاليتها. هذه الوقائع، حين تُقرأ مجتمعة، لا تعكس فقط انتهاكات فردية، بل تشير إلى نمط سلوكي يهدد المنظومة القانونية والأخلاقية برمتها.
ولا يتوقف الأمر عند حدود السجون، بل يمتد إلى سلوكيات ميدانية تُظهر استهانة واضحة بمعايير العمل الإنساني، مثل الاعتداء على قوافل المساعدات أو عرقلتها، في ظل خطاب ديني–سياسي متطرف يبرر الإقصاء وينزع الإنسانية عن الآخر. كما يتجلى ذلك في نقض العهود بشكل يومي ومتكرر، عبر استهداف مجموعات من أبناء الشرطة الفلسطينية في انتهاك مستمر لاتفاقات التهدئة، دون أن يلقى ذلك ردعًا حقيقيًا أو حتى موقفًا دوليًا حازمًا. هذا الانحدار لا يقتصر أثره على الضحية المباشرة، بل يرتدّ على صورة الفاعل ومكانته الدولية، ويقوّض أي ادعاء بالالتزام بالقانون الدولي.
إن استمرار هذا المسار يحمل في طياته مخاطر تصعيد أكبر، ليس فقط على مستوى الميدان، بل على مستوى الشرعية الدولية. فالدول لا تُقاس بقوتها العسكرية وحدها، بل بقدرتها على ضبط هذه القوة ضمن إطار أخلاقي وقانوني. ومع تآكل هذا الإطار، تتزايد العزلة، وتتسع فجوة الثقة، ويصبح الانزلاق نحو مزيد من العنف خيارًا مرجحًا، بما قد يرتد بنتائج استراتيجية معاكسة على المدى المتوسط والبعيد.
وفي خضم هذا كله، تبقى الحقيقة الأوضح: أن الصراع ليس فقط على الأرض، بل على المعنى. بين من يجعل من القوة أداة إخضاع، ومن يجعل من القيم معيارًا للثبات. بين خطاب يُبرر الانتهاك، وآخر يحاول—في أقسى الظروف—أن يحافظ على الحد الأدنى من إنسانية الإنسان. وفي هذا التباين، تتشكل صورة الصراع في وعي العالم، وتُرسم ملامح الشرعية الأخلاقية لكل طرف.
﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ الحشر: 2
ليست هذه الآية خاتمة، بل تذكير بأن موازين القوة ليست ثابتة، وأن التاريخ لا يُكتب بالسلاح وحده، بل بالقيم التي تصمد حين ينهار كل شيء. فكل إناء بما فيه ينضح؛ ومن يزرع القسوة يحصد عزلة، ومن يتمسك بالقيم—حتى في الرماد—يصنع معنى يتجاوز اللحظة، ويفتح أفقًا لعدالة لا تُختزل في موازين القوة، بل تتجذر في ضمير الإنسان.

