فلسطين أون لاين

شقيقهم الناجي يروي تفاصيل المجزرة

تقرير محمود وعيد أبو وردة... حين امتزج الماء بدم السقاة شرق غزة

...
أداء صلاة الجنازة على الشهيدين محمود وعيد أبو وردة
غزة/ يحيى اليعقوبي

في مهمة إنسانية يومية لتوفير المياه للنازحين، تحوّلت شاحنات السقاة إلى أهداف مباشرة، وسقط الشقيقان محمود وعيد أبو وردة برصاصٍ إسرائيلي، حينما كانا يؤديان عملهما تحت شعار إنساني ظنّا أنه يمنحهما بعض الحماية.

كان الشقيقان، برفقة أخيهما محمد، يتوجهون يوميًا إلى أقصى شرق مدينة غزة لتعبئة المياه وتوزيعها على مخيمات الإيواء، ضمن عملٍ يتم بالتنسيق مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف". شاحناتهم كانت تحمل بوضوح شعارات المنظمة، وتتحرك في مسار معروف ومتكرر، لكن ذلك لم يمنع وقوع المجزرة، حيث اختلطت قطرات الماء بدماء السائقين، لترتوي الأرض قبل العطشى.

في الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الجمعة، 17 أبريل/نيسان 2026، وصل الإخوة الثلاثة إلى محطة تعبئة المياه التابعة لـ"ميكروت"، الواقعة عند مدخل شارع المنصورة بحي الشجاعية شرق غزة.

اصطفوا في طابور مع شاحنات أخرى، وتبادلوا حديثًا سريعًا، قبل أن يهمّ محمود (28 عامًا) بالمغادرة بعد تعبئة شاحنته، لتباغته رصاصة أصابت رقبته.

هرع شقيقه محمد (48 عامًا) لإسعافه، فأُصيب برصاصتين في الكتف والصدر، فيما حاول شقيقهما عيد (36 عامًا) الوصول إليه، لكنه تعرّض لإطلاق نار مباشر أصابه في صدره ويده ورقبته، ليسقط بجواره.

الناجي الوحيد

يروي محمد أبو وردة، الناجي الوحيد من المجزرة، وهو يتعافى من إصابته وتثبيتٍ معدني في كتفه: "نظرتُ نحو الشرق فرأيت دبابة إسرائيلية. بدأتُ بالانسحاب وصرختُ على أخي عيد أن يعود، لكنه اندفع لإسعاف محمود، فأُصيب وسقط بجانبه".

6008232430893993382 (1).jpg

محمد أبو وردة، الناجي من المجزرة

ويضيف لـ "فلسطين أون لاين": "حملني أحد المارة إلى المستشفى، ثم أُحضر شقيقاي شهيدين".

ويؤكد أن عملهم كان معروفًا ومكررًا يوميًا: "نحن نعمل مع اليونيسف، ونتوجه إلى المحطة ثلاث مرات يوميًا لتعبئة المياه وتوزيعها على النازحين. قبل أسبوع فقط، تعرضنا لإطلاق نار أصاب الخزانات".

في بيت العزاء بمنطقة جباليا النزلة، تجلس والدتهم، الحاجة أم محمد (70 عامًا)، بقلبٍ مثقل بالفقد.

تروي لحظة تلقيها الخبر: "اتصل أحدهم وطلب الحديث مع زوجي، وهو ضرير فقد بصره في قصف سابق. عندما وضع يده على رأسه، أدركت أن مصيبة وقعت".

وتتابع: "ذهبتُ إلى المستشفى، وجدت محمود في ثلاجة الشهداء، ومحمد على جهاز التنفس، أما عيد فكان يخضع لمحاولات إنقاذ، لكن سرعان ما وصلني خبر استشهاده".

المكالمة الأخيرة

تستعيد الأم آخر حديث مع نجلها عيد: "اتصلت به قبل يوم، اعتذر لانشغاله، وقال إنه متعب وسيستيقظ مبكرًا للعمل. دعوتُ له بالرزق، ولم أكن أعلم أنها المرة الأخيرة".

6008232430893993369.jpg

الشهيد عيد أبو وردة

أما محمود، فكان الأقرب لوالديه، تصفه والدته بأنه "عكاز والده" بعد فقدانه البصر، وتضيف: "دمر الاحتلال منزلنا وتشتتنا في الخيام، وكنا نأمل أن نجتمع مجددًا".

منذ بداية الحرب، عمل الشقيقان على قيادة شاحنات مياه لا يملكونها، مقابل أجر يومي يعيلون به أسرهم، في مهمة إنسانية لتخفيف معاناة النازحين.

6008232430893993368.jpg

الشهيد محمود أبو وردة

تقول والدتهم: "كنا نودعهم يوميًا، لكننا كنا نطمئن لأن عملهم إنساني وتحت مظلة مؤسسة دولية، ولم نتوقع أن يُقتلوا بهذه الطريقة".

رحل الشقيقان، تاركين خلفهما أطفالًا كانوا ينتظرون عودتهم كل مساء، حين كانت الشاحنات تصطف أمام الخيام، ويعلن صوت المنبه وصولهم.

لكن هذه المرة، عادوا محمولين على الأكتاف، وألقى أطفالهم نظرة الوداع الأخيرة، مرددين: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

ترك الشهيد محمود طفلين: فريد (عام واحد) وألما (3 أعوام)، فيما خلّف عيد أربعة أطفال: فريد (8 أعوام)، يارا (13 عامًا)، تالا (7 أعوام)، ونايا (4 أعوام).

تبقى شوارع غزة ومخيماتها شاهدة على عطاء الشقيقين، بينما يظل السؤال مفتوحًا: لماذا استُهدفوا؟

إجابة تبحث عنها العائلة في أروقة العدالة الدولية، وسط صمتٍ يخيّم على الجرائم المتصاعدة بحق الفلسطينيين.

المصدر / فلسطين أون لاين