فلسطين أون لاين

تقرير عودة إلى الأرض… مهندس زراعي يزرع الأمل رغم الخراب

...
المهندس الزراعي إبراهيم عودة أبو عريبان
دير البلح / فاطمة العويني

لم تكن العودة إلى الأرض مجرد خيارٍ اقتصادي للمهندس الزراعي إبراهيم عودة أبو عريبان، بل كانت محاولة لاستعادة الحياة نفسها. فبين ركام الحرب وقسوة النزوح، وجد في التربة التي أحبها منذ طفولته نافذة أمل، يعيد من خلالها بناء ما تهدّم، ويقاوم بها واقعًا يضيق يومًا بعد يوم.

لم يفارق مشهد الحقول المزروعة، بكل ما تحمله من خضرة وخير، ذاكرة أبو عريبان، وهو يساعد والده في الحراثة والزراعة. كان ذلك المشهد يعني له أيامًا هادئة، شكّلت مصدر رزقٍ مكّن والده من تعليم أبنائه، ليحملوا شهادات في الطب والهندسة.

لكن الحرب قلبت كل شيء. فقد التهم ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" منزل العائلة، كما طالت الأضرار الأراضي التي كان والده يستأجرها للزراعة، بعد أن دمّرها الاحتلال الإسرائيلي واقتلع أشجارها. ولم تتوقف الخسارة عند هذا الحد، إذ أثقلت الأمراض جسد والده، الذي بات بحاجة ماسة إلى العلاج خارج القطاع.

اقرأ أيضًا: الزراعة في غزة... تعافٍ متعثر وسط نقص الموارد وارتفاع التكاليف

يقول أبو عريبان لـ "فلسطين أون لاين": "بعد محاولات عديدة للحصول على عمل خلال الحرب، لم أجد سوى فرص مؤقتة لا تكفي لسدّ الاحتياجات. عندها قررت العودة إلى الزراعة، واستئجار أرض أعمل فيها أنا وإخوتي لنؤمّن مصدر دخل لنا".

في منطقة أبو هولي جنوب مدينة دير البلح، بدأ الشاب (36 عامًا) مشروعه الزراعي بمساعدة اثنين من أشقائه، رغم التحديات الكبيرة، وفي مقدمتها نقص البذور والأسمدة وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق.

يوضح قائلاً: "منذ نحو سبعة أشهر بدأت العمل، ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول تجاوز العقبات. أسعار المستلزمات الزراعية مرتفعة جدًا، سواء المبيدات أو البذور أو الأسمدة الصناعية، إلى جانب غياب الأسمدة الطبيعية".

غزة 1.jpeg

ويضرب مثالًا على ذلك: "يبلغ سعر كيلو بذور الملوخية اليوم نحو ألف شيكل، بعدما كان لا يتجاوز عشرين شيكلًا سابقًا. كما وصل سعر شوال السماد الصناعي (25 كغم) إلى نحو 2200 شيكل، بعد أن كان يقارب 120 شيكلًا فقط".

ولا تقف التكاليف عند هذا الحد، إذ يشير إلى الارتفاع الكبير في أسعار مولدات الكهرباء والمحروقات والزيوت اللازمة لتشغيلها، ما يضاعف أعباء المشروع.

ويبيّن أن زراعة دونمين من محصول الكوسا كلّفته نحو 26 ألف شيكل، مضيفًا: "لذلك أحرص على تنويع المحاصيل، واختيار أصناف ذات مواعيد حصاد مختلفة، حتى أضمن إنتاجًا مستمرًا يساعدني على تغطية التكاليف وتأمين احتياجات عائلتي، وأشقائي، ووالديّ".

ورغم قسوة الواقع، يحاول أبو عريبان إيجاد بدائل تُمكّنه من الاستمرار، معتبرًا مشروعه الزراعي "بقعة ضوء" وسط الظلام، وفرصة حقيقية للاستغناء عن انتظار وظيفة قد لا تأتي.

ويقول: "بعد تعب طويل، وجدت في مهنة والدي طوق نجاة. صحيح أنني ما زلت في البداية، واضطررت إلى الاستدانة لتغطية جزء من التكاليف، لكن لدي إصرار على الاستمرار في هذا العمل الذي أحبه".

ويأمل أن تحظى هذه المشاريع باهتمام أكبر من الجهات الداعمة، مضيفًا: "نتمنى أن تلتفت المؤسسات إلى هذه المبادرات التي تحاول إعادة الحياة إلى غزة".

يبدأ أبو عريبان يومه مع صلاة الفجر، متجهًا إلى أرضه، حيث يزرع ويحرث ويعمل حتى غروب الشمس. ويختم حديثه قائلاً: "للزراعة شعور مختلف… أن تزرع أرضًا وتأكل من تعبك، هذا يمنحك راحة لا توصف".

المصدر / فلسطين أون لاين