بجملةٍ عابرة لم تكن تعلم أنها الأخيرة، قالت اعتدال لولو لابنها: "تعال… أنا في الخيمة"، قبل أن يختفي طه في لحظة اضطرابٍ وسط زحام النزوح، تاركًا عائلته في مواجهة انتظارٍ مفتوح وأسئلة بلا إجابة منذ قرابة عامين.
في 12 يوليو/تموز 2024، كانت العائلة قد استقرت مؤقتًا في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بعد رحلة نزوح قاسية بدأت من حي الشيخ رضوان شمالًا، مرورًا برفح، قبل أن تعود مجددًا إلى الوسط مع تصاعد العمليات العسكرية.
تروي الأم أن طه (26 عامًا) كان يعاني اضطرابا نفسيا منذ عام 2017، حين ظهرت عليه أعراض مفاجئة بعد خروجه مع أصدقائه إلى البحر.
طالع المزيد: اختفاء محمد أبو معوض… قصة مفتوحة بين الخوف والأمل
"أصبح يتحدث بكلام غير مترابط، ويتخيل أشياء غير موجودة… ومنذ ذلك الوقت علمنا أنه مصاب بانفصام"، تقول لصحيفة "فلسطين".
ومنذ ذلك الحين، تلقى العلاج بشكل متقطع، لكن حالته لم تكن مستقرة، خاصة عندما كان يرفض تناول الدواء.
وتضيف: "قبل اختفائه بشهر تقريبًا، توقف عن أخذ أدويته، وكان يقول: أنا لست مريضًا"، مشيرة إلى أن حالته تدهورت تدريجيًا، وظهرت عليه نوبات حادة، شملت محاولات لإيذاء نفسه.
لحظة الاختفاء
في اليوم الذي سبق اختفائه، أخبر والدته بنيته العودة إلى غزة. تقول: "ظننت أنه يمزح"، لكن في اليوم التالي بدا عليه اضطراب شديد.
خرج طه من الخيمة فجأة وبدأ يركض بشكل مفاجئ.
"ركض أخوه ووالده خلفه في محاولة للحاق به"، تروي الأم.
تمكنت العائلة من رؤيته يدخل خيمة مجاورة تعود لأشخاص يعرفونهم. تقول: "قلت له: تعال، اتبعني… ثم عدت إلى خيمتي معتقدة أنه سيلحق بي، لأنه لم يكن يبتعد عادة".
لكن هذه المرة، لم يعد.
خرج طه مرة أخرى من الخيمة دون أن يلاحظه أحد، ومنذ تلك اللحظة انقطع أثره تمامًا.
شهادات متضاربة
لاحقًا، تلقت العائلة روايات متفرقة من شهود أفادوا بمشاهدته في شارع صلاح الدين، وآخرين في دير البلح وخان يونس، دون أي تأكيد.
"أحدهم قال إنه كان برفقة شخصين اصطحباه معه"، تضيف الأم.
لم يكن طه يحمل هاتفًا أو بطاقة تعريف، إذ كان هاتفه معطّلًا، كما أن حالته الصحية كانت تجعله أحيانًا غير قادر على التعريف بنفسه بدقة.
"كان أحيانًا يذكر اسمه، وأحيانًا اسمًا آخر… كان ينسى"، تقول.
قبل اختفائه بيوم، حاولت العائلة تأمين العلاج له عبر أحد المسؤولين في المخيم، لكنه تلقى نصف الجرعة فقط، وفق ما تروي والدته، ما لم يسهم في استقرار حالته.
رحلة البحث
منذ لحظة اختفائه، بدأت العائلة رحلة بحث مضنية. توجهوا إلى مستشفى شهداء الأقصى، وسألوا عن أي مصاب مجهول، لكن دون جدوى.
كما بحثوا في قوائم الأسرى، بعد تلقي اتصال زائف يفيد بوجوده في سجن "عوفر". تقول الأم: "فرحت… المهم أنه على قيد الحياة، لكننا اكتشفنا أن الأمر مجرد احتيال".
تواصلت العائلة مع مؤسسات تُعنى بملف الأسرى، ومع الصليب الأحمر، لكن الرد كان واحدًا: لا معلومات.
كما لم تتمكن العائلة من التوجه إلى أماكن الجثامين مجهولة الهوية، بسبب صعوبة التعرف عليها في ظل تشوّهها.
انتظار بلا إجابة
اليوم، وبعد مرور ما يقارب عامين، لا تزال والدته تحتفظ بكل تفاصيل اللحظة الأخيرة.
طالع المزيد: ثلاث سنوات من الغياب… أحمد أبو طعيمة بين روايات الأسر وضياع الحقيقة
"كل ما أريده أن أعرف… هل هو على قيد الحياة أم لا"، تقول.
تتابع يوميًا أخبار الأسرى، وتبحث في القوائم، علّ اسم ابنها يظهر بينها:
"كلما ظهر اسم، أذهب لأتحقق… ربما يكون هو".
تبقى قصة طه لولو واحدة من مئات القصص في غزة، لعائلات فقدت أبناءها في ظروف غامضة خلال الحرب والنزوح، بين من غابوا في الطرق، أو تحت الأنقاض، أو في مراكز الإيواء… لتبقى الحقيقة معلّقة، ويستمر الانتظار.

