في واحدة من أكثر الحكايات إيلامًا في قطاع غزة، فقدت أربع طفلات والدهن في غارة إسرائيلية استهدفت خيمتهن، ولم تترك لهن سوى جراحٍ عميقة تُثقل أجسادهن الغضة وذاكرةً مثقلة بالفقد. اليوم، تعيش الشقيقات بين الألم الجسدي والنفسي، متنقلاتٍ يوميًا بين العيادات، بحثًا عن علاجٍ يخفف معاناتهن.
الطفلات بيان ولانا وريما وديما كنّ يلعبن داخل خيمتهن برفقة والديهن في يوليو/تموز من العام الماضي، حين اخترق صاروخ إسرائيلي قماش الخيمة، محولًا إياها إلى رماد. استُشهد الأب على الفور، في حين أُصيبت الطفلات ووالدتهن إصابات متفاوتة.
طالع المزيد: ريما… رضيعة وُلدت على الغياب وتحمل لقب “القصة الحزينة” في مخيم النزوح
لحظات لا تُنسى
تستعيد الأم، فدوى يوسف، تلك اللحظات قائلة: "كانت لحظات قاسية جدًا؛ استُشهد زوجي أمام أعيننا، وغرقنا أنا وبناتي في الدماء. وما زلنا نعاني آثار تلك الإصابات حتى اليوم".
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "إصابتي كانت الأقل حدة؛ تعرضت لكسر في الركبة وشظايا في أنحاء جسدي. وضعت جبيرة لفترة طويلة، وأعاني الآن خشونة مبكرة، لكنني أحاول الحركة لخدمة بناتي".
توضح يوسف أن أشد الإصابات كانت من نصيب ابنتها ريما (8 أعوام)، التي أُصيبت بشظايا في أنحاء جسدها، وكسور في الجمجمة تسببت بنزيف دماغي، إضافة إلى حروق من الدرجتين الثالثة والرابعة.
وتقول: "معظم جسدها محروق، خاصة ساقيها. أُجريت لها عملية ترقيع جلد، لكنها لم تنجح، وهي بحاجة ماسة للسفر للعلاج في الخارج".
وتسببت العملية غير الناجحة في صعوبة حركتها، كما تركت آثار الحروق ندوبًا مؤلمة تؤثر على حالتها النفسية.
ألم لا يتوقف
تؤكد الأم أن آثار الفقد والإصابة ما زالت تلاحق بناتها نفسيًا: "كل يوم يمر يذكّرهن بما حدث، فالجراح لم تلتئم بعد".
ولا يقل حال شقيقتيها، التوأم ليان ولانا (5 أعوام)، قسوة.
توضح: "لانا أُصيبت بشظايا في ظهرها، وقطع في أوتار يدها اليمنى، وتهتك في أحد أصابعها، إلى جانب إصابات داخلية استدعت عمليات جراحية لاستئصال شظايا من الكبد والأمعاء".
أما ليان، فقد اخترقت الشظايا جسدها بالكامل، وإحداها شقت شفتها السفلى حتى الذقن، إضافة إلى كسور في الأسنان واليدين والقدمين. تقول الأم: "جسدها مليء بالغرز والندوب، لا يكاد يخلو جزء منه من أثر الإصابة".
الطفلة الصغرى ديما (3 أعوام) لم تسلم أيضًا؛ إذ أُصيبت بشظايا في أنحاء جسدها، وخضعت لعدة عمليات، شملت استئصال جزء من المعدة، ما فرض عليها نظامًا غذائيًا خاصًا يصعب الالتزام به في هذا العمر.
وتضيف الأم: "تعاني كذلك من كسور في ساقها اليمنى وتفتت في العظام يؤثر على مشيها".
طالع المزيد: الرضيعة مسك الجرو.. تشوهات خلقية ومعاناة لا تهدأ
كما تعاني جميع الطفلات من مشكلات سمعية، بينها ضغط على العصب السمعي وثقوب في طبلة الأذن نتيجة شدة القصف.
رحلة علاج مرهقة
تقضي الأم يومها متنقلة بين عيادات الأعصاب والباطنية والجراحة: "أتحمل وحدي كل هذه المسؤولية، في ظل نقص الأدوية واضطراري لشرائها على نفقتي، دون أي دعم يُذكر".
وتختم بنداء مؤلم: "كل ما أتمناه هو إجلاء بناتي للعلاج في الخارج بأسرع وقت، ليستعدن عافيتهن… يكفيهن أنهن فقدن الأب والسند".

