فلسطين أون لاين

خاص خيام النزوح في غزة… بيئة مفتوحة لتفشي الأمراض

...
صورة من الأرشيف
غزة/ عبد الله التركماني:

في قلب مخيمات الإيواء المكتظة غرب مدينة غزة، لم تعد المعاناة تقتصر على فقدان المنازل أو شحّ الغذاء والمياه، بل تحوّلت هذه المخيمات إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض والأوبئة. فالخيام المتلاصقة، والمياه الراكدة، وتراكم النفايات، خلقت ظروفًا مثالية لتكاثر الحشرات والقوارض، مع غياب شبه كامل لوسائل الوقاية والرعاية الصحية.

ومع اقتراب فصل الصيف، تتصاعد المخاوف من تفشي أمراض خطيرة ينقلها البعوض والجرذان، في وقت يعاني فيه النظام الصحي من انهيار غير مسبوق، ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. هنا، لا يعيش النازحون تحت تهديد القصف فحسب، بل أيضًا تحت خطر أمراض قد تبدأ بحكة بسيطة وتنتهي بمضاعفات تهدد الحياة.

حشرات لا ترحم

في أحد مخيمات الإيواء غرب المدينة، تجلس عائلة شرف الدين داخل خيمة مهترئة تحيط بها برك من المياه الراكدة، التي تحوّلت إلى بيئة مثالية لتكاثر البعوض. لم يعد الليل وقتًا للراحة، بل ساحة معركة يومية تخوضها الأسرة مع أسراب الحشرات التي لا ترحم.

يقول رب الأسرة عادل شرف الدين لصحيفة "فلسطين"، وهو ينظر إلى أجساد أطفاله المليئة بآثار اللدغات: "نعيش في جحيم حقيقي.. البعوض لا يتركنا لحظة واحدة، حتى أثناء النوم يدخل إلى أفواهنا وآذاننا". ويضيف: "أطفالي أصيبوا بأمراض جلدية مؤلمة؛ حكة مستمرة والتهابات لا تختفي رغم استخدام الأدوية القليلة التي نحصل عليها".

وتشير الأم إلى طفلها الأصغر الذي لا يتوقف عن البكاء: "جلده أصبح مليئًا بالبثور.. لا يستطيع النوم، وكلما حاولنا تهدئته يبدأ في الحكّ بعنف حتى ينزف". وتتابع: "ذهبنا إلى العيادة أكثر من مرة، لكن الأدوية غير متوفرة، وما نحصل عليه لا يُجدي نفعًا".

ويؤكد رب الأسرة أن المشكلة لا تقتصر على خيمته فقط، قائلًا: "البعوض ينقل الأمراض من خيمة إلى أخرى، نحن جميعًا في الكارثة ذاتها.. لا يوجد رشّ للمبيدات ولا أي وسيلة حماية". ويضيف بقلق: "حتى الأجسام لم تعد تستجيب للعلاج.. نشعر أننا نُترك لنواجه المرض وحدنا".

ولا تملك العائلة سوى حلول بدائية، مثل إشعال قطع من الكرتون أو البلاستيك لطرد البعوض، رغم خطورة الدخان على صحة الأطفال، في مشهد يلخص حجم العجز وانعدام البدائل.

ضيوف دائمون

في مخيم إيواء بحي النصر غرب المدينة، تواجه عائلة محمود أمين خطرًا مختلفًا لا يقل قسوة، إذ تحوّلت القوارض والجرذان إلى ضيوف دائمين داخل الخيام، قادمة من بين ركام المنازل المدمّرة المجاورة.

يقول أمين لـ"فلسطين": "نستيقظ ليلًا على أصوات الجرذان وهي تتحرك بين أمتعتنا.. لم تعد تخاف من البشر، بل أصبحت تقتحم الخيام يوميًا". ويضيف: "في بعض الأحيان نجدها فوق الطعام أو بالقرب من رؤوس الأطفال أثناء النوم".

وتصف زوجته المعاناة اليومية: "نحاول تغطية الطعام، لكن لا يوجد مكان آمن.. كل شيء مكشوف، والجرذان تصل إلى كل شيء". وتتابع: "أصيب أطفالي بإسهال شديد وآلام في البطن، والطبيب قال إن السبب قد يكون تلوث الطعام".

ويشير أحد أبنائه إلى تجربته قائلاً: "شعرت بألم شديد في معدتي، ولم أستطع الوقوف.. الجرذان تلوّث كل شيء". بينما يؤكد رب الأسرة: "الأمراض تنتشر بسرعة، خاصة أمراض الجهاز الهضمي.. نحن نخشى الأسوأ".

ويضيف: "لا توجد أي حملات لمكافحة القوارض، ولا حتى مصائد.. نشعر أننا نعيش وسط مستنقع من الأمراض". وتختتم الأم حديثها: "نحاول حماية أطفالنا، لكن كيف نحميهم ونحن نعيش هذا الواقع؟".

وتلجأ العائلة إلى حلول بدائية، مثل رفع الطعام إلى أماكن مرتفعة أو إشعال النار لإبعاد القوارض، لكنها تبقى إجراءات محدودة لا توفر حماية حقيقية.

ازدياد خطير

من داخل عيادة "أطباء العالم – فرنسا" غرب المدينة، يحذّر الطبيب العام محمد الشرفا من ازدياد خطير في الحالات المرضية المرتبطة بالحشرات والقوارض، خاصة مع اقتراب فصل الصيف.

يقول الشرفا لـ"فلسطين": "نشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الأمراض الجلدية الناتجة عن لدغات البعوض، إضافة إلى التهابات بكتيرية بسبب الحكّ المستمر". ويضيف: "كما نرصد زيادة في حالات الإسهال والتسمم الغذائي المرتبطة بتلوث الطعام نتيجة انتشار القوارض".

ويؤكد أن الوضع الصحي يزداد تعقيدًا مع انهيار المنظومة الطبية: "نعمل في ظروف صعبة للغاية.. هناك نقص حاد في الأدوية الأساسية، وغياب شبه كامل لبرامج الصحة العامة، مثل مكافحة الحشرات والقوارض". مشيرًا إلى أن "القطاع الصحي يعمل بأقل من نصف طاقته، ومعظم المرافق تعاني نقصًا في الإمدادات الطبية".

ويحذر من المرحلة المقبلة قائلًا: "مع ارتفاع درجات الحرارة، سيزداد تكاثر البعوض والجرذان، ما يعني ارتفاعًا أكبر في معدلات الإصابة، خاصة بين الأطفال".

ويقدّم الشرفا جملة من الإرشادات رغم محدودية الإمكانات: "نوصي بتغطية الطعام جيدًا، والتخلص من المياه الراكدة قدر الإمكان، واستخدام أي وسائل متاحة لإبعاد الحشرات مثل الناموسيات إن توفرت". ويضيف: "كما يجب الحفاظ على النظافة الشخصية وغسل اليدين قبل تناول الطعام".

ويختتم حديثه بالتحذير: "ندرك أن هذه النصائح قد تبدو صعبة التطبيق في ظل الظروف الحالية، لكن أي محاولة للوقاية قد تُحدث فرقًا.. نحن أمام كارثة صحية حقيقية إذا استمر الوضع على ما هو عليه".

المصدر / فلسطين أون لاين