﴿لا يُقاتِلونَكُم جَميعًا إِلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَو مِن وَراءِ جُدُرٍ﴾ الحشر14
في زمن تتهاوى فيه جدران الزيف على صخرة الدم المقدّس، جاءت غزة على قدر، كقنبلة من كرامة أُهينت، فانفجرت بأشلائها لتفتح بوابة الذل على معبر الغلاف، وتعيد لفلسطين صوتها النابض في خاصرتها المذبوحة.
وفيما يهرول كبير السحرة لتسييج أطول حدودهم بالجدران والخنادق، تغرق دولة الإبادة في وهم التحصين؛ تهرب من غزة إلى جدار، ومن الضفة إلى جدار، ومن الأردن إلى جدار، ومن سوريا ولبنان إلى جدار، ومن مصر إلى جدار، حتى تحاصر نفسها بأوهن من بيت عنكبوت. لكن غزة، تلك الندبة التي تأبى أن تندمل، كسرت بجوعها وعزمها كل دروعهم، وأسقطت دباباتهم المصفحة باليقين، وكشفت للعالم أن فخر صناعتهم لا يقوى على صرخة طفل في الشجاعية.
من "السور الواقي" إلى خنادق فيلادلفيا، ومن قلاع بني النضير إلى مآذن خيبر، تتكرر الحكاية: يبنون جدرانهم ونحن نبني الشهداء، يحتمون بالأسمنت ونحن نحتمي بالله، {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا}. سقوطهم ليس في الطوب بل في القلوب، في رعبٍ جعلهم يهدمون بيوتهم بأيديهم، لتبقى غزة أيقونة البدايات والنهايات، الطوفان الذي لا توقفه الأسوار، والحق الذي لا تقيده الحصون، والنور الذي يمشي في الدجى، حتى لو تآمرت عليه كل الجدران.
لقد جعلوا من أسلحتهم جدرانًا متحركة، فكانت دبابة "المركفاه" التي يفاخرون بها، محصنة بأربع طبقات حماية ودرع حصينة بتكلفة خمسة ملايين دولار، فإذا بها تسقط أمام قاذف الياسين 105 الذي لا تتجاوز كلفته 500 دولار، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}.
وحين ارتكبوا المجازر والعدوان، أطلقوا عليها أسماء تنسجم مع عقيدة الجدار التي تسكنهم، لتثبت هشاشتهم وضعفهم ورعبهم، فكانت عملية "السور الواقي" أشهر عدوان على الضفة الغربية، في محاولة لاستئصال المقاومة وتحصين الجيتو.
تاريخهم شاهد؛ فمن بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير إلى خيبر، لجؤوا إلى الحصون، فتهاوت حصنًا بعد آخر، حتى كان الإجلاء الكامل أو القتل، ولم يبقَ لهم موطئ قدم في الجزيرة العربية.
وفي السابع من أكتوبر، عبر طوفان بشري من رجال المقاومة وأسقط هذه الجدران بضربة واحدة، فكشف هشاشتها، وأثبت أن {أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ} العنكبوت: 41. غزة، التي تتجذر فيها إرادة القتال أعمق من كل جدرانهم الزائلة، جسّدت سقوط عقيدة التحصين ذاتها، كما توعدهم الله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ الحشر: 14.
إنها ليست مقاومة فحسب، بل وعد إلهي: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُ...ِ﴾ الحشر: 2.

