لم يعد سرير المستشفى بالنسبة لباسل مجرد مكان للعلاج، بل تحوّل إلى عالمٍ كامل يعيش فيه إلى جانب والده الحاج أبو باسل خير الدين، يراقب أنفاسه، ويعدّ نبضات قلبه، مترقبًا لحظة قد تكون فاصلة بين الحياة والموت.
يقول باسل لصحيفة "فلسطين" إن والده، الذي ناهز الستين من عمره، أنهكته السنوات، لا بسبب المرض وحده، بل بفعل ما مرّ به من أوجاع تفوق قدرة القلب على الاحتمال.
ويضيف: "يعاني والدي منذ سنوات ضعفا شديدا في عضلة القلب، إذ لا تتجاوز كفاءتها ما بين 17% و20%. كنا نتمسك بالأمل في استقرار حالته، لكن خلال الشهرين الماضيين تغيّر كل شيء، وتدهورت صحته بشكل كبير، وأصبحنا نعيش حالة طوارئ دائمة".
يتوقف قليلًا، ينظر إلى والده الممدد على السرير، ثم يتابع بصوت مثقل: "لم يعد بيتنا مكاننا… أصبحنا هنا، في قسم العناية القلبية بمستشفى الشفاء. والدي صار ملازمًا لهذا السرير، وأنا لا أفارقه".
لكن ما يصفه الابن يتجاوز حدود المرض المزمن. وشير إلى أن "أخطر ما يعانيه والدي الآن نوبات اضطراب نظم القلب (الرفرفة)، التي تصيبه بشكل شبه يومي. فجأة يفقد وعيه ويتوقف عن الاستجابة، وكأن الحياة تنسحب منه أمام أعيننا".
ويتابع: "في كل مرة، ننتظر الأطباء لإنعاشه عبر الصعق الكهربائي. تخيّل أن ترى والدك يُصعق ليعود إلى الحياة… مشهد يتكرر يوميًا، ولا يمكن الاعتياد عليه".
هذا المشهد، كما يصفه باسل، أصبح جزءًا من روتين قاسٍ، محفوف بالخوف والانتظار.
"في كل مرة أسأل نفسي: هل سيعود هذه المرة؟ أم أن النهاية قد حانت؟".
ويؤكد أن الأطباء حدّدوا الحل، لكنه غير متوفر داخل قطاع غزة.
"والدي بحاجة إلى زراعة جهاز منظم وصاعق كهربائي للقلب (CRT-D). العملية لا تستغرق أكثر من ساعتين، لكنها كفيلة بإنقاذ حياته ووضع حد لهذه المعاناة".
يصمت للحظة، ثم يضيف بمرارة: "تخيّل… ساعتان فقط قد تفصلان بين الحياة والموت، لكننا ننتظر منذ شهور بلا أي استجابة".
ولا تتوقف معاناة العائلة عند حدود المرض.
"مع بداية الحرب، فقدنا منزلنا بالكامل، وأصبحنا بلا مأوى نحاول البدء من جديد. ثم فقدنا أخي شهيدًا في قصف استهدف مدنيين".
يتنهد ويكمل: "كل هذه الصدمات لم يتحملها والدي. قلبه الضعيف لم يصمد أمام هذا الكم من الألم".
ويضيف: "أحيانًا أشعر أن المرض ليس في جسده فقط، بل في كل ما مرّ به… كأن قلبه تعب من الحزن قبل أن ينهكه المرض".
اليوم، يعيش باسل تفاصيل يومية ثقيلة، بين أجهزة المراقبة وأصوات الإنذار.
"لا أنام بشكل طبيعي. أبقى بجانبه، أخشى أن تحدث نوبة وأنا غافل".
ويتابع: "أكثر ما يؤلمني هو العجز… أن تعرف أن العلاج موجود، لكنك لا تستطيع الوصول إليه. أن ترى والدك يموت ببطء، وأنت لا تملك سوى الانتظار".
وفي ظل هذا الواقع، يوجّه باسل نداءً عاجلًا: "نحن لا نطلب المستحيل، فقط تحويلة للعلاج خارج غزة… فرصة حقيقية لإنقاذ حياة والدي".
ويضيف: "وزارة الصحة في غزة، ومنظمة الصحة العالمية، وكل الجهات المعنية… المسؤولية في أعناقكم. والدي ليس رقمًا، بل إنسان له عائلة وحياة".
ويختم حديثه بصوت يكاد ينكسر: "كل يوم أودّعه وكأنني أراه للمرة الأخيرة. كل صعقة تعيده إلينا، لكننا لا نعرف إلى متى سيصمد هذا القلب… نحن بحاجة إلى حل قبل فوات الأوان".
في غزة، لا تكمن المأساة دائمًا في غياب العلاج، بل في تأخره. وبين سرير المستشفى وانتظار السفر، يبقى قلب الحاج أبو باسل معلقًا بين نبضةٍ وأخرى، ينتظر فرصة قد تعيده إلى الحياة.

