فلسطين أون لاين

ليس هناك ما هو أقسى على قلب أبٍ من أن ينادي ابنه… فلا يأتيه الرد.

تقرير "أريد أن يسمع صوتي قبل أن أفقده".. تيم خير الدين بين المرض وانتظار فتح المعبر

...
الطفل تيم خير الدين
غزة/ عبد الرحمن يونس:

في قطاع غزة، حيث يتداخل الألم مع الحصار، يجلس باسل خير الدين إلى جانب طفله تيم، يحدثه بصوت خافت، يهمس له، يناديه مرارًا… لكن لا مجيب سوى صمت ثقيل يملأ المكان. تيم، الذي لم يُكمل عامه الرابع بعد، لم يعرف من طفولته سوى المرض، ولم يسمع من العالم سوى صمته القاسي. وبينما يثقل المرض جسده الصغير يومًا بعد يوم، تتضاعف في قلب والده حسرة الانتظار، انتظارٌ يزداد قسوة مع كل لحظة خوف من ضياع فرصة العلاج الأخيرة.

يقول باسل: "هذا ابني تيم… عمره أربع سنوات فقط، لكنه يحمل وجعًا أكبر من سنّه بكثير. حين أنظر إليه أشعر أن قلبي ينكسر، لأنه لا يعيش طفولته كما يجب".

تيم، كما يروي والده، من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويعاني من أمراض معقدة تستدعي تدخلاً طبيًا عاجلًا خارج قطاع غزة. ويضيف باسل لصحيفة "فلسطين": "الأطباء أكدوا أن حالته تحتاج إلى عمليات جراحية دقيقة قد تعيد له السمع وتمنحه فرصة للنمو بشكل طبيعي. نحن لا نبحث عن رفاهية، بل عن فرصة حياة".

منذ أكثر من عام، حصلت العائلة على تحويلة علاج للخارج، لكنها دخلت دوامة انتظار طويلة لم تنتهِ حتى اليوم. يقول الأب: "ننتظر كل يوم… ننتظر دورًا، موافقة، فتح باب. لكن في غزة، الانتظار له معنى آخر، قد يسرق منك كل شيء".

ويتابع: "كل يوم يمر أشعر أن حالة تيم تتراجع. أخاف أن يأتي يوم نندم فيه لأننا لم نستطع إنقاذه في الوقت المناسب. الوقت ليس في صالحه، وكل تأخير قد يهدد مستقبله أو حياته".

يحاول باسل أن يصف معاناة ابنه اليومية، لكن الكلمات تتوقف عند حلقه أحيانًا. يقول: "أصعب ما في الأمر أنني لا أستطيع التواصل معه كما يفعل الآباء مع أبنائهم. لا يسمعني حين أناديه… أتمنى فقط أن يأتي يوم يناديني فيه: بابا".

ويضيف: "أنظر إلى الأطفال من حوله، كيف يضحكون ويلعبون ويتكلمون، وأتساءل: لماذا حُرم تيم من كل هذا؟ ما ذنبه؟".

ولا تقتصر معاناة العائلة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى شعور مرير بالعجز والانتظار. يقول الأب: "نرى حالات تُغادر للعلاج، وأبوابًا تُفتح، بينما نبقى نحن في الانتظار. نشعر أحيانًا أن هناك من يسبقنا ليس بسبب الحالة، بل بسبب الواسطة أو النفوذ، وهذا مؤلم جدًا".

ويؤكد باسل أن ما يطلبه ليس استثناءً ولا امتيازًا، بل حق أساسي لطفله. يقول: "أنا لا أطلب المستحيل… أطلب فقط حق ابني في العلاج، أن يعيش مثل باقي الأطفال، أن يسمع ويتكلم وينمو دون هذا الألم".

في البيت، يحاول الأب أن يخفف عن طفله رغم عجزه عن تغيير الواقع. يقول: "أحمله، ألعب معه، أبتسم له… لكن داخلي حزن كبير. أعرف أن ما يحتاجه ليس بيدي، وأن مستقبله معلّق بقرار قد يتأخر".

ويتابع: "أمه تعيش الألم ذاته، وربما أكثر. تيم هو حياتنا كلها، وكل يوم يمر نخشى أن نفقده أو نفقد فرصة إنقاذه".

وفي ظل هذا الواقع، يوجه باسل نداءً إنسانيًا مفتوحًا، قائلاً: "أناشد كل من لديه ضمير حي، كل من يستطيع المساعدة، أن ينقل صوتنا. ربما كلمة أو مشاركة أو دعاء تكون سببًا في إنقاذ حياة ابني".

ويضيف: "نحن لا نحتاج شفقة… نحتاج فرصة واحدة فقط قد تغيّر كل شيء".

ويختم حديثه بكلمات تختصر وجعه وأمله معًا: "حلمي بسيط… أن أسمع تيم يناديني، أن يركض نحوي يومًا. هذا كل ما أريده من هذه الحياة".

قصة تيم ليست حالة فردية، بل تعكس واقعًا إنسانيًا قاسيًا يعيشه كثير من أطفال قطاع غزة، حيث يتحول الحق في العلاج إلى رحلة انتظار طويلة، قد يصبح فيها الزمن العدوّ الأكبر لطفولة تبحث عن فرصة للحياة.

المصدر / فلسطين أون لاين