في خيمةٍ مهترئة بدير البلح، تكافح مها طافش، المعروفة بـ"أم رمزي"، لتواصل حياتها وسط أعباء قاسية، بعد أن فقدت ابنها الوحيد الذي كان سندها ومعيل أسرتها، لتجد نفسها في مواجهة واقع ثقيل من الفقد والفقر والمرض.
في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر 2025، استُشهد رمزي طافش (32 عامًا) إثر قصف إسرائيلي على حي الزيتون، حين هرع كعادته لإسعاف الجرحى ونقل الشهداء، قبل أن يستهدفه صاروخ آخر ويُنهي حياته، إلى جانب زوج شقيقته، تاركًا خلفه عائلة تواجه مصيرًا مجهولًا.
تقول والدته لصحيفة "فلسطين" بصوتٍ مثقل بالحزن: "رمزي كان سندي ورفيقي في الحياة، كان حنونًا وصاحب أخلاق، وهو وحيدي بين ثماني بنات، وكان يحمل همّ الجميع".
لم يكن رمزي ميسور الحال، لكنه عمل بكل ما يستطيع لإعالة أسرته ووالديه، متنقلًا بين أعمال بسيطة، من جمع الحطب وبيعه إلى العمل بعربة صغيرة لنقل احتياجات الناس مقابل أجر زهيد.
وتستعيد والدته تفاصيل حياته قائلة: "كان يخرج مع شروق الشمس بحثًا عن رزقه، لكنه كان بالنسبة لي أكثر من معيل… كان الظهر الذي أستند إليه".
![]()
رحيل رمزي ترك فراغًا كبيرًا في حياة والدته، التي وجدت نفسها مسؤولة عن خمسة أحفاد، أكبرهم لم يتجاوز الثامنة، وأصغرهم طفل لم يتم عامه الثاني.
وتقول: "رحل وكسر ظهري، وتركني وحيدة… هؤلاء الأطفال في رقبتي، وأنا لا أقوى على تحمل مسؤولياتهم لا جسديًا ولا ماليًا".
وتتفاقم معاناة العائلة مع إصابة زوجها (55 عامًا) بشلل نصفي سفلي، بعد خضوعه لعملية جراحية في العمود الفقري، إلى جانب إصابته خلال الحرب، ما يجعله بحاجة دائمة إلى رعاية.
لم يتوقف الألم عند فقد الابن، بل امتد إلى تدهور الحالة الصحية للأم، التي تعاني من ضعف في البصر، وآلام مزمنة في الركبة والأسنان، في ظل عجزها عن توفير تكاليف العلاج.
وتقول بحسرة: "كل شيء يحتاج إلى مال، ونحن لا نملك شيئًا"، موضحة أن الأسرة تعتمد على "التكية" لتأمين وجبات محدودة لا تكفي لسد احتياجاتها.
وتعيش العائلة في خيمة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، بينما تتراكم الهموم بين مرض الزوج، ويتم الأطفال، وقسوة الحياة اليومية.
ورغم كل هذا الألم، لا تغيب ملامح الفخر عن كلمات أم رمزي، وهي تستحضر صورة ابنها الذي استُشهد وهو يحاول إنقاذ الآخرين.
تقول: "لم يمت وهو يبحث عن نفسه، بل وهو يساعد غيره"، قبل أن تختتم حديثها بجملة تختصر وجعها: "كان ابني الوحيد… وكان الدنيا كلها".

