فلسطين أون لاين

بنت جبيل.. المدينة التي أحرقت أحلام "إسرائيل"

على ضفاف المفاوضات توقفت الحرب بين ايران وأمريكا واسرائيل وما بين مد وجزر التصريحات ماتزال جميع الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها ومع امال احياء السلام تضع الحرب أوزارها في جنوب لبنان بعد يأس من تحقيق ما تبتغيه إسرائيل من نزع سلاح حزب الله او القضاء عليه مع فشل ذريع في السيطرة على مدينة بنت جبيل تلك المدينة التي تلقب بـ "عاصمة المقاومة" أو "عاصمة التحرير"، التي منها أعلن حزب الله نصره في 2006.و منها وصف السيد الشهيد حسن نصر الله ، إسرائيل ببيت العنكبوت تلك المدينة التي يصفها الاسرائيليون، بالمدينة الملعونة ، تقف اليوم شامخة برحالها مع اشتداد المعارك فيها لايام طويلة ومن مسافة الصفر دون ان يحقق العدو اي تقدم فيها رغم تفوقه العسكري جوا وبرا ووحشية ، انها ارادة اهل الجنوب التي لاتقهر ، ارادة امنت بارضها وطنا وتاريخا وشرفا وبحقها على ارضها حياة وموتا ونشورا ، انهم فتية امنوا بربهم وبارضهم فزادهم الله ايماناً وثباتا وايدهم بجنود يقينا كانوا على مراى من أبصارهم والتواصل معهم ، نعم أنا على يقين من ذلك الأمر ولا اشك فيه ، فعلى مدى ايام طويلة من القتال والحصار والجوع والدمار ، كان لابد ان تباد قوة الرضوان في تلك المدينة التي انقطعت عنها جميع خطوط الإمداد إلا المد الالهي ، نعم ! كنت افكر مع نفسي ، كم يمكن ان يصمد هولاء الأبطال ، وقد تكالبت عليهم الوحوش من كل مكان وانقطعت بهم الاسباب وضاقت عليهم الارض ومنعت السماء ، لكن وعد الله كان حاضرا ولا يخلف الله وعده . (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ )

حين ظن العدو أن الحصار قد أفقد رجال الله القدرة على الصمود، وإذ ببنت جبيل تتحول إلى آلة حرب لا تنضب، تدمي جيشاً مدججاً بالسلاح، وتُسقط أساطيره في وحل الشوارع الضيقة والأزقة الوعرة. كل محاولات التسلل باءت بالفشل، وكل دبابة من دبابات ميركافا التي لاتقهر تحولت إلى كومة خردة. الجنود الإسرائيليون، الذين دخلوا بعقيدة التفوق التكنولوجي، اصطدموا بإنسان جنوبي يعرف أن أرضه أمانة، وأن تراجعَه يعني محوَ تاريخ ، لم تكن المعركة متكافئة أبداً؛ طائرات F-35 تقصف، ومدفعية ثقيلة تمهد، وذخائر عنقودية تحرم الأرض من الحياة. لكن بنت جبيل علّمت العالم درساً جديداً في الهندسة العكسية للحرب: القوة لا تُقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات، بل بجذور الناس في تراب بلدهم. هنا، كل حجر يعرف صاحبه، وكل بيت يحتفظ بسرابيل المقاومة منذ عام 2006، بل منذ احتلال 1982.
والمدهش أن المقاومين لم يكونوا فقط يدافعون عن نقطة عسكرية، بل كانوا يحرسون رمزاً. فبنت جبيل ليست مجرد مدينة، بل هي حكاية انتصرت فيها الإرادة على الإعجاز العسكري. من مآذنها وأسطحها، انطلقت صيحات "الله أكبر" التي أرعبت المغتصبين، ومن جراح أبنائها نبت زيتون المقاومة ، العدو أطلق عليها "الملعونة" لأنها أحرقت أحلامه مرتين: الأولى في 2006 حين عاد بخفي حنين، والثانية اليوم وهي تشاهد أنفاقاً وأسلحة وخططاً عجز عن فك شفرتها.

اللافت أن النجاح الدفاعي في بنت جبيل لم يكن معزولاً عن السياق الإقليمي. فبينما كانت المفاوضات تتنفس بصعوبة على حدود إيران وأميركا، كانت المقاومة الميدانية ترسل رسالة بالغة الوضوح: "من يظن أن الضغط العسكري يكسر الإرادة، فليأت إلى بنت جبيل". صمود المدينة حوّل حسابات إسرائيل الاستراتيجية، وأجبرها على إعادة تعريف النصر ، من القضاء على حزب الله ، إلى مجرد وقف لإطلاق النار يحفظ ماء الوجه.

وهنا لا بد من التوقف عند السر الغامض لهذا الثبات. كيف لجنود محاصرين، مقطوع عنهم الطعام والشراب، يواصلون القتال لأيام وليال بلا كلل؟ كيف لفتية أنهم ينامون على وقع القصف ويستيقظون على وقع التكبير؟ الجواب تجاوز المنطق المادي التقليدي. إنه ذلك النور الذي يسكن قلوب المؤمنين، ذلك الإيمان الذي يقلب الموازين، فيجعل القليل يغلب الكثير، والضعيف ينتصر على القوي. لقد كانوا (فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ) كانوا على يقين بأن السماء لن تخذل أرضاً تدافع عن عزتها.

نعم، لم تصلهم طائرات الإمداد، لكن وصلتهم عناية الله. لم يفتحوا ممرات إغاثة، لكن فتحت لهم ملائكة السكينة. إنه وعد الله الذي لا يتخلف: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ). بنت جبيل اليوم هي نموذج حي على أن أعتى الجيوش يمكن أن تتعثر أمام جدار من الإيمان والصبر، وأن أعنف الحروب يمكن أن تخسر إذا كانت بلا قضية.

اليوم، ومع توقف الحرب مؤقتاً في جنوب لبنان، تبقى بنت جبيل شاهداً على أن المقاومة ليست سلاحاً فقط، بل ثقافة وتاريخاً وأرضاً لا تموت ، من عاصمة التحرير، يخرج درس للأجيال: الحرية لا تُهدى، بل تُنتزع بدم الشجعان وصبر الأتقياء ، وإسرائيل، التي حاولت تدمير المدينة، تركتها أكثر صلابة، لأنها لم تفهم بعد أن ( بيت العنكبوت ) الذي أشار إليه السيد الشهيد ليس في الضعف، بل في هشاشة مشروع قائم على الغطرسة دون إيمان.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل تفهم قوى الاستكبار ومن يدور في أفلاكها الدرس ؟ أم أنهم سيبحثون عن بنت جبيل اخرى ؟ الأكيد أن أهل الحق لا ينتظرون إجابة، فهم يستمدون من الشهادة حياة ومن المقاومة نصرا و من السلام زيتونا بزرعونه على أنقاض دبابات الميركافا ، و لا يزالون يرددون : ربنا أنزل علينا صبراً، وتوفنا مسلمين.

المصدر / فلسطين أون لاين