في الشرق الأوسط، لا تقاس القوة بحجم الترسانة ولا بالقدرة النارية فقط، بل بمدى القدرة على تحويل التفوق العسكري الى استقرار سياسي قابل للاستمرار، فما يبدو فرط قوة اميركية اسرائيلية منذ السابع من اكتوبر، ينقلب الى مصدر ضعف بنيوي، يعيد إنتاج الأزمات بدل انهائها.
لعقود، سعت واشنطن لإدارة ملفات المنطقة بمنطق التفوق المطلق؛ تفوق عسكري، وضغوط اقتصادية، وامساك باوراق المسارات جميعا، نهج بلغ ذروته خلال ادارتي ترامب، فجرى التعامل مع القضايا الكبرى كملفات يمكن تفكيكها واعادة تركيبها وفق اهوائها، غير ان هذا التصور اصطدم مرارا بحقائق اكثر تعقيد؛ فالمنطقة مترابطة عضويا، واي ضغط في ساحة يعيد انتاجه في ساحة أخرى.
وفي الحالة اللبنانية، يتجلى هذا التناقض بوضوح، فالاحتلال استخدم مستوى عاليا من القوة، احتلال فعلي لأجزاء من الجنوب، وتدمير واسع للبنية التحتية، تهجير مئات الالاف، واستهداف متكرر لبيروت، من منظور عسكري ضيق، قد يبدو هذا تفوقا حاسما، لكن من منظور استراتيجي اوسع، يطرح السؤال نفسه: ماذا بعد؟
التاريخ القريب يقدم اجابات غير مريحة للبعض، ففي حرب العام 2006، ورغم امتلاكه تفوقا ناريا ساحقا، فشل الاحتلال في تحقيق هدفه السياسي، والنتيجة لم تكن حسما، بل توازن ردع اكثر تعقيدا، والمشهد ذاته تكرر في غزو العراق 2003، حين تحول الانتصار العسكري السريع واسقاط الدولة خلال ايام الى فوضى استراتيجية طويلة ومستنقع للجيش الامريكي.
لكن المثال اللبناني الاوضح، والاكثر ارتباطا بالحاضر، اتفاق 17 ايار 1983، لم يكن مجرد محطة عابرة، بل تجربة مكتملة الاركان لمحاولة فرض ترتيبات امنية وسياسية تحت مظلة التفوق العسكري، من حيث الشكل بدى وكانه "انجاز"؛ انهاء حالة الحرب، وانسحاب تدريجي، وترتيبات امنية على الحدود، لكن في الجوهر، حمل بذور فشله، وولد ميتا.
فمن جانب، جاء الاتفاق في ظل احتلال فعلي، واختلال حاد في ميزان القوى، ما افقده الشرعية الوطنية، افترض وجود دولة لبنانية قادرة على تنفيذ التزامات امنية معقدة، بينما كانت الدولة تعاني من انقسام وحرب داخلية، وتجاهل البيئة الاقليمية، خصوصا الدور السوري، فتعامل مع لبنان كما لو كان جزيرة يمكن عزلها عن محيطها، عوامل لم تكن تفاصيل تاريخية فقط، بل بذور فشل بنيوي، ولهذا سقط سريعا، رغم الدعم الدولي، فالقوة فرضت نصا، لكنها عجزت عن حمايته او فرض واقع.
وهنا تحديدا يصبح الربط مع الحاضر شبه تلقائي، فالحديث اليوم عن ادخال لبنان في مسار تطبيعي، سواء كان ذلك بشكل مباشر او عبر ترتيبات امنية، يعيد انتاج ذات المنطق، فالشروط لم تتغير، بل باتت اكثر تعقيدا، هناك احتلال او تهديد دائم باستخدام القوة، والدولة اللبنانية تعاني من ضعف بنيوي، والاقليم متداخلا الى حد يستحيل معه عزل اي ساحة عن الاخرى، بل ان عاملا اضافيا دخل المعادلة، وجود فاعل مسلح كحزب الله، يمتلك قدرة ردع فعلية وشبكة دعم محلية واقليمية، ما يجعل اي محاولة لإعادة هندسة التوازن الداخلي اكثر كلفة وتعقيدا.
وبالتالي، فان التنبؤ بفشل اي مسار تطبيعي مع لبنان لا يستند الى موقف سياسي او ايديولوجي فقط، بل الى قراءة تاريخية واستراتيجية، فالتطبيع لكي يكون مستقرا، يحتاج الى حد ادنى من الشروط، اولها سيادة مكتملة، وتوازن داخلي، ومن ثم بيئة اقليمية مستقرة، وهي شروط غير متوفرة حاليا، ولا حتى في الافق القريب، ما قد يعيد انتاج سيناريو 1983 ولكن بصيغ مختلفة؛ اتفاقات شكلية، ورفض داخلي، وتعطيل عملي، ما يلبث ان ينتهي اما بالسقوط او بالتحول الى مصدر توتر دائم.
غير ان هناك عاملا اكثر عمقا يتجاوز الحسابات اللبنانية الداخلية والاقليمية المباشرة، ويعيد تفسير فشل كل هذه المسارات بشكل اوسع، وهو بقاء القضية الفلسطينية دون حل، فالقضية لا تشكل فقط خلفية للمشهد، بل محركا دائما لعدم الاستقرار في المنطقة، وعاملا يعيد ربط الساحات ببعضها، مهما جرت محاولات الفصل بينها.
بهذا المعنى، لا يصبح لبنان استثناء، بل جزء من معادلة اوسع، فلا استقرار في الاطراف بينما المركز متوتر، وكل محاولة لتجاوز هذه الحقيقة، عبر القوة او الحيل السياسية، تعيد انتاج النتيجة ذاتها؛ اتفاقات مؤقتة، واستقرار هش، وتأجيل المواجهة، لا اكثر.
ختاما، فان ما يكشفه التاريخ ليس فقط حدود القوة، بل وايضا خطورة الافراط في استخدامها، او الاتكاء عليها، فالقوة التي تتجاهل الحقائق الراسخة لا تبني نظما، بل تسرع من انهيارها، وفي الحالة اللبنانية، يبدو ان الدرس لم يُستوعب بعد، اذ يمكن فرض الوقائع مؤقتا، لكن من الصعب تحويلها الى "استقرار مستدام"، وبالتالي، لا يعود فرط القوة مجرد خطأ في التقدير، بل عامل يعيد انتاج الفشل… مرة بعد مرات.

