في مشهد صادم يلخص حجم المأساة، اعتقل جيش الاحتلال الإسرائيلي عشرات العمال الفلسطينيين في أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن عملهم داخل الأراضي المحتلة، بعد أن اختبؤوا داخل عربة حاويات ضيقة كانت تقل نحو 40 عاملًا.
وجرى اقتيادهم مكبّلي الأيدي، وتصويرهم أمام الكاميرات في مشهد إنساني قاسٍ يعكس حجم الإذلال الذي يُجبر عليه العامل الفلسطيني في سبيل تأمين لقمة العيش، ما أثار موجة غضب واسعة وتساؤلات حادة بشأن واقع الحقوق الإنسانية.

هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل بات يتكرر بشكل متزايد، وفق ما يؤكده الخبير الاقتصادي د. هيثم دراغمة، الذي يرى أن العمال في الضفة الغربية أصبحوا عالقين بين خيارين قاسيين: البطالة أو المخاطرة بالحياة.
طالع المزيد: الخور: شلل يهدد قطاع النقل في غزة وسط ارتفاع قياسي في تكاليف التشغيل
ويقول دراغمة لصحيفة "فلسطين" إن الضغوط الاقتصادية الهائلة، وغياب فرص العمل، دفعا آلاف العمال إلى سلوك طرق خطرة للوصول إلى أماكن العمل داخل "الخط الأخضر"، رغم ما يرافق ذلك من مخاطر حقيقية، تشمل الاعتقال أو الإصابة أو حتى الموت.

الخبير الاقتصادي د. هيثم دراغمة
ويضيف أن هذه الظاهرة تعكس انهيار الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة، حيث لم يعد العمل خيارًا، بل "مغامرة قسرية" يفرضها واقع اقتصادي خانق، في ظل انسداد الأفق أمام البدائل المحلية.
ويصف دراغمة الحالة الاقتصادية في الضفة الغربية بأنها من "الأشد تضررًا"، مشيرًا إلى أن سحب تصاريح العمل، واحتجاز مستحقات العمال، وغياب الحماية النقابية، جميعها عوامل عمّقت الأزمة.
ويؤكد أن نسب البطالة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت تراجعت فيه قدرة المؤسسات المحلية على استيعاب الأيدي العاملة، ما جعل آلاف الأسر بلا مصدر دخل ثابت.
وتعكس الأرقام حجم الكارثة التي لحقت بسوق العمل الفلسطيني منذ أواخر عام 2023 وحتى مطلع عام 2026؛ إذ تشير التقديرات إلى ارتفاع نسبة البطالة في الضفة الغربية لتتجاوز 28%، مع فقدان أكثر من 300 ألف وظيفة بشكل مباشر ودائم.
كما حُرم نحو 180 ألف عامل من مصدر رزقهم الوحيد بعد سحب تصاريحهم، ما أدى إلى فقدان سيولة نقدية كانت تتدفق إلى السوق المحلي تُقدّر بمليارات الشواكل.
وسجل مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعًا ملحوظًا، ما جعل أكثر من 40% من العمال غير قادرين على تغطية تكاليف المياه والكهرباء والاحتياجات الغذائية الأساسية.
وفي السياق ذاته، يرى الناشط في حقوق العمال د. سلامة أبو زعيتر أن ما يجري يمثل تحولًا عميقًا في بنية العمل الفلسطيني، إذ انتقل من كونه نشاطًا اقتصاديًا إلى "فعل صمود" في مواجهة واقع قسري.
ويؤكد لـ"فلسطين" أن العمال لم يعودوا يبحثون عن تحسين مستوى معيشتهم، بل عن الحد الأدنى من البقاء، في ظل ما يصفه بـ"اقتصاد الضرورة" الذي فرضته سياسات الاحتلال والقيود المفروضة.

الناشط في حقوق العمال د. سلامة أبو زعيتر
ويشير أبو زعيتر إلى أن هذا الواقع دفع العمال إلى الانخراط في أعمال هامشية وغير مستقرة، أو اللجوء إلى بدائل محدودة، مثل العمل غير الرسمي أو الرقمي، في محاولة لكسر القيود المفروضة عليهم.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود سوق العمل، بل تمتد إلى داخل البيوت الفلسطينية، حيث تعاني الأسر من صعوبة تأمين احتياجاتها الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
وباتت مظاهر الفقر أكثر وضوحًا، مع تسجيل حالات عجز عن توفير الغذاء والعلاج والتعليم، ما ينذر بتداعيات اجتماعية خطيرة على المدى القريب.
ويؤكد المتحدثان أن التعامل مع أزمة العمال يتطلب تحركًا عاجلًا على عدة مستويات، تبدأ بتوجيه الدعم الدولي والمحلي نحو مشاريع تشغيلية مستدامة بدلًا من الاكتفاء بالمساعدات الطارئة، إلى جانب إطلاق برامج تشغيل مؤقتة تستوعب آلاف العمال، خاصة في قطاعات البنية التحتية والخدمات.
طالع المزيد: "الإحصاء": ارتفاع حاد في غلاء المعيشة بفلسطين خلال آذار 2026
كما يشددان على أهمية دعم المشاريع الصغيرة والتعاونيات الإنتاجية كبديل عن انهيار سوق العمل التقليدي، والاستثمار في تدريب العمال على المهارات الرقمية والعمل عن بُعد، لتقليل الاعتماد على سوق العمل داخل "الخط الأخضر".
ويدعوان كذلك إلى تكثيف الجهود القانونية والدولية لاسترداد حقوق العمال، وضمان الحد الأدنى من الحماية، إلى جانب توفير برامج دعم نفسي واجتماعي للعمال وأسرهم، لمواجهة آثار الضغوط والصدمات المستمرة.

