في خيمةٍ بسيطة نُصبت بالقرب من منزلها المدمّر في مدينة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، تعيش ماري السلطان فصولًا مضاعفة من المعاناة؛ بين فقدان الأمان، وقلقٍ لا ينتهي على مصير زوجها الأسير.
فمنذ أن اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي زوجها محمد السلطان، في 17 آذار/مارس 2024، لم تتلقَّ أي معلومات عنه، لتتحول حياتها إلى انتظارٍ ثقيل ينهشه الغموض والخوف.
وتقول السلطان إن منزلهم دُمّر خلال حرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة، ما اضطرها وأطفالها للعيش في خيمة قريبة من ركام بيتهم، في ظروف إنسانية قاسية تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.
وبين قسوة النزوح وحرمان الاستقرار، تبقى معاناتها الأكبر في غياب زوجها، وعدم معرفة إن كان بخير أو حتى على قيد الحياة، وفق ما أفادت لمراسل "فلسطين أون لاين".

وتُعيل ماري أسرة مكوّنة من أربعة أبناء، ثلاث بنات وابن، بعد أن أصبحت المعيل الوحيد لهم.
وتشير إلى أنهم يعيشون حالة من التهميش، إذ لا تصلهم أي معلومات رسمية حول مصير زوجها، فيما يلازمهم خوف دائم من تلقي خبرٍ مفجع في أي لحظة، في ظل تصاعد الانتهاكات داخل السجون.
مصير مجهول
وتستعيد السلطان لحظات الاعتقال القاسية، حين حاصرت قوات الاحتلال محيط مجمع الشفاء الطبي، واقتحمت المنزل الذي نزحت إليه العائلة آنذاك.
وتروي كيف اعتُقل زوجها وابنها "نسيم" وسط صرخات الأطفال، دون أن يُسمح له حتى باحتضانهم، قبل أن يُقتادا إلى جهة مجهولة، فيما أُجبرت العائلة على النزوح جنوبًا تحت تهديد السلاح.
وتضيف أن تلك الليلة كانت أشبه بكابوس؛ إذ لم تتوقف أصوات القصف والانفجارات، وكانوا يعتقدون أنهم لن يروا صباح اليوم التالي، لكن الصدمة الأكبر جاءت مع اعتقال زوجها وابنها، وما تلا ذلك من معاناة مستمرة.

وبعد شهرين، أُفرج عن ابنها "نسيم"، لكنه عاد مثقلًا بالإصابات، إذ تعرّض لاعتداءات جسدية أدت إلى إصابته في ساقه اليسرى، إضافة إلى إصابة خطيرة في عينه اليمنى أفقدته البصر فيها.
وتؤكد السلطان لـ "فلسطين أون لاين" أن نجلها بحاجة إلى علاج عاجل، في ظل تدهور حالته الصحية وصعوبة تلقي الرعاية في ظروف النزوح.
صورة قاسية
ورغم ألمه، نقل "نسيم" لوالدته صورة قاسية عن وضع والده داخل السجن، حيث شاهده خلال التحقيق في حالة صحية متدهورة، وقد فقد الكثير من وزنه نتيجة نقص الطعام والرعاية الطبية، إلى جانب آثار الضرب والتعذيب التي بدت واضحة عليه.
ومع اقتراب يوم الأسير الفلسطيني، تطلق السلطان نداءً إنسانيًا عاجلًا إلى العالم، مطالبةً بالتحرك الفوري للضغط من أجل الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، ووقف الانتهاكات بحقهم، وإلغاء القوانين التي تهدد حياتهم، وعلى رأسها المطالب بإقرار عقوبة الإعدام بحق الأسرى.
اقرأ أيضًا: المفقودون في غزَّة... جرح مفتوح لا تداويه الأيَّام
وتؤكد أن يوم الأسير يجب أن يكون مناسبة حقيقية للتحرك، لا مجرد ذكرى، من أجل إطلاق سراح الأسرى وعودتهم إلى عائلاتهم، وإنهاء معاناة آلاف الأسر التي تعيش الألم ذاته.
وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، تواصل قوات الاحتلال احتجاز أكثر من 9300 أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى آلاف المعتقلين من قطاع غزة، في ظل تصاعد الانتهاكات منذ بدء حرب الإبادة على القطاع، ما يعمّق المأساة الإنسانية التي تعيشها الأسر الفلسطينية.

