فلسطين أون لاين

كاتب مقيم في مدريد لـ"فلسطين أون لاين": حرب الإبادة أعادت تشكيل مواقف إسبانيا سياسياً وشعبياً

...
الكاتب والمخرج المصري باسل رمسيس
غزة/ إبراهيم أبو شعر

شهد الموقف الإسباني من حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة خلال العامين الأخيرين تحولاً لافتاً، جعله وفق تقديرات الكاتب والمخرج المصري باسل رمسيس، المقيم في إسبانيا، من بين أكثر المواقف الأوروبية تقدماً تجاه القضية الفلسطينية، إلى جانب دول مثل أيرلندا والنرويج وسلوفينيا.

يرى رمسيس أن هذا التحول لم يكن نتاجاً لتغيرات دبلوماسية تقليدية فقط، بل ارتبط بشكل مباشر بحجم العدوان وحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، التي تجاوزت حدود ما كان يمكن تجاهله داخل الرأي العام والمؤسسات السياسية الأوروبية.

وشكّل هذا العامل، وفق رأيه، ضغطاً متزايداً على الحكومات، بما فيها الحكومة الإسبانية، لاتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه "إسرائيل".

ويشير رمسيس في مقابلة خاصة مع "فلسطين أون لاين" إلى أن خصوصية الموقف الإسباني تعود أيضاً إلى البنية السياسية الداخلية، حيث يحكم الحزب الاشتراكي الإسباني ضمن تحالفات مع قوى يسارية على يساره، أبرزها تحالف "سومار" والحزب الشيوعي الإسباني.

اقرأ أيضًا: حماس ترحّب بقرار إسبانيا سحب سفيرها من "إسرائيل"

هذه القوى، بحسب الكاتب المصري، تمارس تأثيراً مباشراً على أجندة الحكومة، وتدفع باتجاه تبني مواقف أكثر حدة، بما في ذلك توصيف ما يجري في غزة كإبادة وفرض إجراءات سياسية ضد "إسرائيل".

تحول واضح

ويقول رمسيس أن الشارع الإسباني شهد تحولاً واضحاً في موقفه من الحرب على غزة، حيث ساهمت صور الدمار والضحايا في دفع قطاعات واسعة من الرأي العام إلى تبنّي موقف أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين، بعيداً عن السردية التقليدية التي سادت في بداية الحرب.

ويشير إلى أن هذا التحول لم يقتصر على التعاطف الإنساني، بل امتد إلى إعادة فتح النقاش داخل المجتمع الإسباني حول طبيعة الصراع وتاريخه، وهو ما انعكس في ازدياد الاهتمام الشعبي بمتابعة القضية الفلسطينية داخل الإعلام والنقاش العام.

على مستوى النخب، يؤكد أن الدور الأبرز في تغيير الخطاب داخل إسبانيا يعود إلى التيارات اليسارية، والمثقفين، والفنانين، والناشطين، الذين دفعوا باتجاه خطاب أكثر نقداً لدولة الاحتلال وأكثر انحيازاً للجانب الفلسطيني في الفضاء العام.

ويضيف أن هذا الحضور النخبوي ساهم في نقل القضية الفلسطينية من إطار التعاطف الإنساني إلى مساحة أوسع من النقد السياسي، بما في ذلك مساءلة السياسات الإسرائيلية بشكل مباشر داخل النقاشات الثقافية والإعلامية.

كما يلفت إلى أن هذا التحول في المزاج العام والنخبوي لا يمكن فصله عن تطور النقاش السياسي داخل إسبانيا، حيث تزايدت مساحة التعبير العلني الداعم للفلسطينيين، مقابل تراجع نسبي في قبول الرواية الإسرائيلية داخل بعض الدوائر الثقافية والإعلامية.

تباين أوروبي

في المقابل، يضع رمسيس هذا التوجه ضمن سياق أوروبي أوسع يتسم بتباين واضح بين الدول، فبينما تتبنى دول مثل ألمانيا وإيطاليا والمجر مواقف أكثر انحيازاً لـ"إسرائيل"، تتقدم دول أخرى مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج خطاباً أكثر انتقاداً.

اقرأ أيضًا: غزة تتحدى الركام.. أكاديمية كروية تحط رحالها في إسبانيا

ويرى الكاتب أن التغيير الحقيقي في الخطاب الأوروبي لا يأتي فقط من الحكومات، بل من تصاعد ضغط الرأي العام وحركات الاحتجاج التي شهدت توسعاً غير مسبوق منذ بداية الحرب، وأعادت طرح مفاهيم كانت هامشية سابقاً في الفضاء العام الأوروبي.

دور الإعلام

وفي ما يتعلق بالإعلام الإسباني، يوضح أن التغطية في الأيام الأولى للحرب كانت أكثر انسجاماً مع الخطاب الأوروبي العام. إلا أن استمرار العدوان وارتفاع أعداد الشهداء ومشاهد المجازر الوحشية ضد الشعب الفلسطيني أدى تدريجياً إلى تحول في بعض التغطيات، باتجاه تسليط الضوء على الكلفة الإنسانية في غزة.

ويشير الكاتب إلى أن هذا التحول في التغطية الإعلامية لا يقتصر على الإعلام الإسباني فقط، بل شمل معظم الدول الأوروبية، إذ بدأت بعض وسائل الإعلام في إعادة صياغة خطابها تدريجياً تحت ضغط ازدياد صور الضحايا المدنيين واتساع الانتقادات الشعبية للحرب.

عقاب سياسي

فيما يخص قرار الاحتلال استبعاد إسبانيا من إطار ما يسمى مركز التنسيق الأمني المرتبط بغزة في كريات غات، يقدّم الكاتب باسل رمسيس قراءة تقلّل من أهمية الخطوة من حيث التأثير العملي، مقابل التركيز على دلالتها السياسية والرمزية.

يرى رمسيس أن هذا النوع من اللجان أو آليات التنسيق لا يمتلك في الأصل وزناً حاسماً على أرض الواقع، في ظل استمرار عدم التزام جيش الاحتلال باتفاق وقف إطلاق النار وعمليات القتل اليومية في غزة.

5981055093320649729.jpg

ضمن هذا السياق، يذهب إلى أن القرار الإسرائيلي لا يمكن فهمه باعتباره إجراءً تقنياً أو أمنياً صرفاً، بل هو أقرب إلى رسالة سياسية.

ويشير إلى أن مجرم الحرب بنيامين نتنياهو يوظف هذه الخطوات في إطار أوسع من إدارة المواجهة الدبلوماسية مع الدول الأوروبية التي باتت أكثر انتقاداً لسياسات دولة الاحتلال، وعلى رأسها إسبانيا.

وفق هذه القراءة، لا يبدو الهدف الأساسي من استبعاد إسبانيا مرتبطاً بإعادة تنظيم آليات التنسيق، بقدر ما هو محاولة للرد السياسي والرمزي على الموقف الإسباني المتصاعد ضد الحرب في غزة، سواء عبر الخطاب الرسمي أو عبر مواقف داخل الاتحاد الأوروبي.

كما يربط رمسيس هذه الخطوة بما يعتبره نمطاً أوسع في سلوك حكومة الاحتلال، يقوم على استخدام أدوات دبلوماسية محدودة التأثير لإرسال رسائل ضغط أو عقاب سياسي للدول التي تتخذ مواقف ناقدة. وفي هذا الإطار، يظهر القرار كجزء من إدارة صورة الصراع خارج الميدان العسكري، وليس كتحول في بنية التعاون الأمني الفعلي.

ويخلص إلى أن مستقبل الموقف الإسباني سيظل مرتبطاً بتطورات الحرب في غزة وبالتوازنات الداخلية في الحكومة الإسبانية، خصوصاً مع اعتمادها على تحالفات يسارية.

المصدر / فلسطين أون لاين