فلسطين أون لاين

خاص تهديدات (إسرائيل) باستئناف الحرب.. كابوسٌ ثقيل يلاحق الناجين من الإبادة

...
صورة من الأرشيف
غزة/ أدهم الشريف:

عند حافة خيمةٍ باليةٍ مُثبَّتة أسفل برجٍ نهشه القصف الإسرائيلي، يجلس المُقعد طارق عبد ربه (45 عامًا) على كرسي متحرك، يتبادل أطراف الحديث مع من تبقى من أفراد عائلته ونازحين آخرين وجدوا في البرج الآيل للسقوط ملاذًا أخيرًا، في حين تتردد إلى مسامعه تهديدات قادة الاحتلال الإسرائيلي باستئناف الحرب على قطاع غزة.

ما إن يسمع ذلك، حتى يهزّ رأسه بيأسٍ شديد، ويقول بلسانٍ مثقل: "لا نريد عودة الحرب.. لا نستطيع تحمّل المزيد".

عبد ربه، وهو من ذوي الإعاقة، لم يفقد منزله المكوّن من طابقين في منطقة جباليا البلد شمالي قطاع غزة فحسب، بل خسر أيضًا نجله البكر زياد، الذي استُشهد في قصفٍ إسرائيلي استهدف مجموعةً من المواطنين خلال الحرب.

وكان زياد (24 عامًا) قبل استشهاده، المعيل الأساسي لأسرته، يعمل ليلًا ونهارًا لتوفير احتياجاتها وتعويض عجز والده عن العمل بسبب إعاقته الحركية التي يعانيها منذ سنوات.

4060ce2f-5eae-483b-9c53-7b4cf0f8be58.jpg


لكن رحيله ترك جرحًا عميقًا في نفوس أفراد العائلة، لا سيما والده، الذي تدهورت حالته الصحية، وفقد القدرة على الحركة بشكل شبه كامل، ليُقيَّد جسده المنهك بكرسيٍّ متحرك يلخص مأساة رجل سلبته الحرب كل شيء.

وبكلماتٍ يغلب عليها الحزن، يقول عبد ربه لصحيفة "فلسطين": "ألا يكفي الاحتلال ما جرى بنا؟ فقدنا منازلنا ومصادر دخلنا، وفي كثير من الأحيان لا نجد ما نأكله".

ومع حلول المساء، يحرص على الجلوس أمام برج "شوا وحصري" الآيل للسقوط في مدينة غزة، حيث لم يجد هو وعائلته مأوى سوى خيمةٍ مُثبتة بين جدرانه المدمرة في الطابق الأرضي. يراقب المارة، ويسألهم عن مساعدةٍ أو وجبةٍ بسيطة تسدّ رمق أسرته المكوّنة من ستة أفراد ليومٍ واحد.

ولا تعكس مأساة عبد ربه وحدها حجم المعاناة، بل تمتد لتشمل مئات آلاف الغزيين الذين سُوِّيت منازلهم بالأرض، واختفت أحياء سكنية كاملة من الخارطة العمرانية، وفقدوا مصادر دخلهم، حتى بات تأمين وجبةٍ واحدة يوميًا هاجسهم الأكبر.

e6c1bf0b-9c11-4d08-9706-4e11e79a47ba.jpg


ورغم ذلك، يرفض الناجون من الإبادة مقايضة إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة، أو توفير بيوت متنقلة، بملف نزع سلاح غزة، أو رهن إعادة الإعمار بإملاءاتٍ سياسية تُبقي مئات آلاف المواطنين بلا مأوى.

ويأتي ذلك في وقت يسيطر فيه الاحتلال على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة البالغة 365 كيلومترًا مربعًا، خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، مانعًا السكان من العودة إلى مناطقهم التي دُمّرت بالكامل.

ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ارتكب الاحتلال سلسلة خروقات بلغت نحو 2371 خرقًا، أسفرت عن استشهاد 750 مواطنًا، بينهم أطفال ونساء، وفق معطيات رسمية، ما جعل الاتفاق هشًا ومثقلًا بالانتهاكات.

وأوجدت هذه الخروقات حالة من القلق الدائم بين السكان، وسط شعور متزايد بأن الحرب لم تنتهِ فعليًا.

ويقول محمد أبو عودة (43 عامًا)، الذي نجا من القصف ومرارة النزوح: "في الحقيقة، الحرب لم تنتهِ، هذا ما نشعر به مع كل طائرة تحلّق في السماء، وكل قذيفة نسمع صوتها".

ويضيف: "صحيح أن وقف إطلاق النار مليء بالخروقات، لكنه يظل أفضل من عودة القتل"، في إشارة إلى حرب الإبادة التي استمرت لأكثر من عامين.

وكان أبو عودة قد فقد منزله في بلدة بيت حانون شمال القطاع، ولم يعد قادرًا على العودة إليه بسبب سيطرة جيش الاحتلال على المنطقة.

ويتابع، وهو تاجر عقارات سابق فقد مصدر رزقه: "نأمل استمرار وقف إطلاق النار، لكن يجب تحسين شروطه بما يخدم سكان غزة، خاصة أصحاب المنازل المدمرة، وإلزام الاحتلال بتنفيذ بنوده كاملة".

ويعيش أبو عودة مع أسرته المكوّنة من سبعة أفراد في غرفةٍ صغيرة داخل منزلٍ متضرر بحي النصر غرب مدينة غزة، مدركًا مخططات الاحتلال الرامية إلى تهجير السكان. ويردّ على دعوات نزع السلاح قائلًا: "أي سلاح يريدون نزعه؟ غزة دُمّرت بالكامل، حتى حياتنا لم تعد كما كانت".

ومع استمرار تنصل الاحتلال من التزاماته، وتشديد الحصار، ومنع إدخال كميات كافية من المساعدات، يرى النازحون أن ربط تنفيذ مراحل الاتفاق بملف نزع السلاح ليس سوى ذريعة لإبقاء الواقع الإنساني الكارثي على حاله، أمام عالم يراقب بصمت.

وخلال حربه على غزة، قتل جيش الاحتلال أكثر من 72 ألف مواطن، وأصاب ما يزيد على 172 ألفًا، فيما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين.

المصدر / فلسطين أون لاين