فلسطين أون لاين

"ينذر بكارثة إنسانية وصحية وبيئية لا يمكن السيطرة عليها"

السرَّاج: مقبلون على انهيار كامل لمنظومة الخدمات بغزة إذا استمر إغلاق المعابر

...
رئيس بلدية غزة د.يحيى السراج
غزة/ نبيل سنونو
  • أزمة الوقود وقطع الغيار والزيوت أحد أخطر التحديات التشغيلية
  • انتشار الأوبئة أمر لا مفرَّ منه إذا لم تُفتَح المعابر
  • صعوبة في تنفيذ مكافحة شاملة للقوارض لعدم توفر المبيدات
  • استمرار الحصار سيؤدي لانهيار تدريجي للبنية التحتية وما نشهده اليوم مقدمة لكارثة أعمق
  • نطالب بفتح المعابر عاجلًا وتوفير دعم مالي طارئ

حذر رئيس بلدية غزة د.يحيى السراج من انهيار كامل لمنظومة الخدمات إذا استمر الاحتلال بإغلاق المعابر ومنع إدخال المواد والمعدات والآليات اللازمة، بما ينذر بكارثة إنسانية وصحية وبيئية لا يمكن السيطرة عليها.

وقال السراج في حوار مع "فلسطين أون لاين": إن الوضع الخدماتي في مدينة غزة يشهد تدهورًا حادًا، نتيجةَ استمرار منع إدخال المواد والآليات اللازمة لإعادة تأهيل البنى التحتية المدمَّرة من جراء تداعيات حرب الإبادة، مشيرا إلى تدمير ما نسبته 85% من الآليات.

ونبه إلى أنه إذا لم تُفتَح المعابر وتُدخَل المواد والمعدات اللازمة، فإن البنية التحتية بأسرها ستنهار تدريجيًا، وسيكون ما نشهده اليوم مجرد مقدمة لكارثة أشمل وأعمق.

وأضاف أن البلدية باتت تعمل في أضيق الهوامش الممكنة، معتمدةً على نهج "إدارة الأزمات" بدلًا من التخطيط التنموي، والتركيز على التدخلات الطارئة بدلًا من المشاريع التطويرية. وقد استُنفِدت جميع الحلول المؤقتة والمحلية، ولم يعد بالإمكان الاستمرار في هذا النهج دون دعم خارجي حقيقي.

وقال السراج إن البلدية تعمل على تنفيذ أعمال صيانة طارئة لشبكات المياه والصرف الصحي، وفتح الطرق الحيوية وإزالة الركام لتيسير حركة المرور، وإصلاح الأعطال الحرجة في المرافق العامة، وإعادة تأهيل جزئي لبعض المرافق الخدمية.

لكنه ذكر أنها تواجه عراقيل منها نقص المواد الإنشائية، ومحدودية المعدات الثقيلة العاملة، والقيود المفروضة على إدخال المواد، وانعدام التمويل الكافي للمشاريع الكبرى.

أضرار جسيمة

وعن التدهور في الوضع الخدماتي، أشار السراج إلى تعرض شبكات المياه والصرف الصحي والطرق لأضرار جسيمة، مما أثَّر مباشرة على استمرارية تقديم الخدمات.

اقرأ أيضًا: أزمة قطع الغيار تدفع قطاع النقل والإسعاف في غزة نحو الانهيار

وأوضح أن البلدية تعاني من صعوبة بالغة في الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، ولا سيما في مجالات: إمدادات المياه، وإدارة منظومة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، وجمع النفايات الصلبة وترحيلها.

ويضاف إلى التحديات منع طواقم البلدية من الوصول إلى مكبّ النفايات الرئيسي في منطقة حجر الديك شرق المدينة، وفق السراج.

وأشار إلى وجود ضغط سكاني متزايد نتيجة النزوح الداخلي من محافظة شمال غزة، مما يُشكِّل عبئًا إضافيًا على الخدمات المحدودة أصلًا.

ووصف السراج أزمة الطاقة التي تواجهها البلدية حاليا بأنها حادة، مبينا أن محدودية كميات الوقود وانقطاع الكهرباء لفترات طويلة يعيق تشغيل المرافق الحيوية، كآبار المياه ومحطات الضخ، ويُضاف إلى ذلك شُح الزيوت وقطع الغيار اللازمة لصيانة المولدات المتبقية التي باتت في أمسّ الحاجة إلى الصيانة.

وأوضح أن أزمة الوقود وقطع الغيار والزيوت تُشكِّل أحدَ أخطر التحديات التشغيلية التي تواجهها البلدية، ومن تأثيراتها تعطيل تشغيل المرافق الحيوية، كتوقف آبار المياه أو تقليص ساعات تشغيلها، وتعطُّل محطات ضخ الصرف الصحي، وانخفاض كفاءة منظومة جمع النفايات.

وبين أن من التأثيرات حدوث شلل جزئي في الآليات والمعدات والمولدات، إذ يُفضي نقص الزيوت وقطع الغيار إلى توقف عدد كبير من الآليات الثقيلة، إلى جانب توقف المولدات، وصعوبة إجراء أعمال الصيانة الدورية والطارئة.

وأشار إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية واللجوء إلى حلول بديلة مكلفة، كالتشغيل الجزئي أو وضع الطوارئ، واستنزاف الموارد المحدودة مع توجيه الوقود المتاح حصرًا نحو الخدمات الأكثر إلحاحًا، كالمياه والصرف الصحي.

عواقب وخيمة

وأكد أن البلدية بذلت قصارى جهدها في توظيف كل ما هو متاح محليًا من بدائل وحلول مؤقتة، غير أن هذه البدائل باتت هي الأخرى على وشك النفاد.

اقرأ أيضًا: تحذيرات من كارثة صحية في مستشفيات غزة جراء انعدام زيوت المولدات

وقال السراج، إن من أبرز ما طبقته البلدية هو نظام أولويات صارم في توزيع الوقود، بحيث يُخصَّص للخدمات الأكثر إلحاحًا فحسب، وإعادة تأهيل بعض الآليات باستخدام قطع غيار بديلة محلية، وهي في معظمها حلول مؤقتة وغير مستدامة، وتقليص ساعات التشغيل إلى حدودها الدنيا للحفاظ على استمرارية الخدمة لأطول فترة ممكنة.

وأكد أنه في حال استمر إغلاق المعابر ومنع إدخال المواد والمعدات والآليات اللازمة، "فإننا مقبلون على انهيار كامل لمنظومة الخدمات، بما ينذر بكارثة إنسانية وصحية وبيئية لا يمكن السيطرة عليها".

في السياق، قال السراج، إن مدينة غزة شهدت المدينة تصاعدًا ملحوظًا في نشاط القوارض، ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب: تراكم النفايات الصلبة، وتضرُّر شبكات الصرف الصحي وتسرُّب مياهه، والبيئة غير الصحية الناجمة عن تكدُّس الركام والمياه الراكدة.

وأكد أن المصائد اليدوية والتوعية المجتمعية وحدها لا تكفي لمواجهة تكاثر القوارض بهذا الحجم، محذرا من أنه في حال لم تُفتَح المعابر لإدخال المبيدات والسموم والطعوم، فإن انتشار الأوبئة والأمراض بات أمرًا لا مفرَّ منه، وستكون عواقبه وخيمة على المواطنين في ظل غياب أي منظومة صحية قادرة على الاستيعاب.

وأشار إلى تسجيل بلاغات وشكاوى كثيرة عن انتشار القوارض والجرذان بشكل كبير، وصعوبة تنفيذ حملات مكافحة شاملة، بسبب عدم توفر المبيدات والسموم والطعوم اللازمة.

PIC-8464512-1737738588.webp

ونبه إلى أن بلدية غزة لم تألُ جهدًا في مواجهة هذا الخطر المتنامي بكل ما أتاحته الإمكانيات المحلية المتاحة، ومن ذلك: دعم حملات ومبادرات محدودة لمكافحة القوارض في المناطق الأشد تضررًا، وتشجيع المبادرين على توفير المصائد الخشبية وغيرها للتخفيف من حدة الأزمة.

وتابع: عملنا على تعزيز الوعي المجتمعي بأساليب الوقاية، وفي مقدمتها فرز النفايات وإبعاد المخلفات العضوية عن مواقع النزوح، وإطلاق نداءات محلية ودولية تطالب بإدخال السموم والطعوم اللازمة.

لكن البلدية تواجه تحديات انعدام الطعوم والسموم والمبيدات الآمنة، وضعف الإمكانيات اللوجستية.

ودعا إلى  توفير الطعوم والسموم والمبيدات والمعدات اللازمة لمكافحة القوارض، ودعم مشاريع إزالة النفايات والركام وإدخال الآليات والمعدات، ودعم تنفيذ برامج متكاملة تجمع بين النظافة والمكافحة والتوعية.

انخفاض حاد في كميات المياه

وعن مدى القدرة على إيصال المياه للمواطنين، قال السراج: إن البلدية تواجه تحديات جسيمة في إيصال المياه، وسط انخفاض حاد في كميات المياه المتاحة لأسباب منها تدمير ما نسبته 85% من الآبار الرئيسية، ومحطة التحلية الرئيسية في منطقة السودانية شمال غرب المدينة.

وأرجع الأزمة أيضا إلى تضرُّر خطوط النقل والتوزيع، إذ بلغت الأضرار نحو 150,000 متر طولي من شبكات المياه.

وأشار إلى اعتماد جدول تقنين مشدَّد، قد يصل في بعض المناطق إلى مرة واحدة كل عدة أيام أو أسابيع.

ونبه إلى محدودية وعدم انتظام كميات المياه الواردة عبر خط مياه ميكروت، الذي يُمثِّل نحو 70% من إجمالي المياه الموزَّعة في المدينة.

af23232357-1766998700.webp

وبشأن الجهود المبذولة لمواجهة أزمة المياه، أكد أن البلدية لم تدَّخر أي جهد في توظيف كل الطاقات والإمكانيات المتاحة محليًا، غير أن هذه الإمكانيات باتت عند حدودها القصوى.

وأوضح السراج أن من أبرز جهود البلدية، تشغيل الآبار المتاحة بأقصى طاقتها الممكنة وفق توافر الوقود، والاستعانة بصهاريج المياه لتغطية المناطق الأشد تضررًا، وتشغيل الآبار الخاصة بالتعاون مع المواطنين وأهالي الأحياء ووجهائهم، وتنفيذ إصلاحات طارئة للشبكات المتضررة بأدوات ومواد شحيحة.

لكنه أشار إلى استمرار التحديات ومنها محدودية كميات الوقود المتاحة، وشُح الآليات والمواسير والمواد اللازمة للصيانة، وشُح الزيوت والمولدات والمعدات، واستمرار الأضرار في الشبكة، وارتفاع الطلب جراء النزوح.

وطالب بتخصيص كميات أكبر من الوقود لقطاع المياه، ودعم مشاريع الطاقة البديلة، ولا سيما الطاقة الشمسية، وتوفير مواد الصيانة للشبكات، كالآليات والزيوت والمواسير والأسمنت.

فتح المعابر

وعن خطة البلدية ذات المراحل الثلاث والمعلنة سابقا، قال إن أولها مرحلة الطوارئ التي تهدف إلى    ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية (المياه، والصرف الصحي، والنظافة، وهي قيد التنفيذ حاليًا بصورة جزئية ومتعثرة.

أما المرحلة الثانية الخاصة بالتعافي المبكر والتي تتمثل في إعادة تأهيل المرافق الأساسية، فهي محدودة التطبيق بسبب شُح التمويل والمواد.

وفيما يخص المرحلة الثالثة المتعلقة بإعادة الإعمار والتطوير الشامل للبنية التحتية، فأوضح السراج أنها غير قابلة للتنفيذ في الوقت الراهن، في ظل استمرار الحصار ومنع إدخال المواد.

وخلص إلى أن المرحلتين الثانية والثالثة تبقيان حبرًا على ورق في ظل الحصار المفروض، وتعتمد إمكانية تطبيقهما اعتمادًا كليًا على: فتح المعابر، وتوافر التمويل الدولي، والاستقرار الأمني.

وأكد أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه دون تدخل دولي فعلي وعاجل، يعني عمليًا إلغاء أي أفق للتعافي أو إعادة الإعمار، وهو ما سيُرسِّخ الكارثة الإنسانية ويجعلها واقعًا دائمًا لا طارئًا مؤقتًا.

وطالب السراج بفتح المعابر بصورة عاجلة وفورية: لإدخال الآليات وقطع الغيار والوقود والمعدات اللازمة، إذ لا يوجد أي بديل محلي متاح لم يُجرَّب، وتوفير دعم مالي طارئ لضمان استمرارية الخدمات الأساسية وصرف رواتب موظفي البلدية الذين يواصلون عملهم رغم كل شيء.

كما طالب بتأمين إمدادات الوقود ولا سيما لقطاعات المياه والصرف الصحي والنظافة، التي باتت على شفير التوقف الكامل، وإدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة: لإعادة تأهيل البنية التحتية المدمَّرة، قبل أن يتحوَّل التدهور إلى انهيار لا يمكن إصلاحه.

وأكد ضرورة دعم برامج الصحة العامة بما يشمل مكافحة الأوبئة والقوارض، وتوفير المبيدات والسموم اللازمة التي انعدمت كليًا، وتعزيز الشراكة مع المنظمات الدولية: لتنفيذ برامج التعافي المبكر على أرض الواقع، لا في بيانات المؤتمرات فحسب.

وأدت حرب الإبادة التي بدأها الاحتلال في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت لأكثر من عامين إلى استشهاد أكثر من 72 ألف مواطن وإصابة ما يزيد عن 170 ألفا آخرين، ودمار واسع طال معظم مباني القطاع وبنيته التحتية. كما استخدم الاحتلال إغلاق المعابر ومنع مقومات الحياة والتجويع سلاح حرب ضد الأهالي في القطاع، وفق أوساط فلسطينية ودولية.

المصدر / فلسطين أون لاين