فلسطين أون لاين

ترامب والمنظمات الدولية والإقليمية

كثيرةٌ هي المنظمات الإقليمية والدولية في العالم، التي تُمارس نشاطاتها المنوطة بها دون أن يخطر في بالها أنها ستكون ذات يوم ٍعرضةً لمزاج دولةٍ ما، على الرغم من أن تلك المنظمات حضر فيها الرأي الأمريكي وبقوة، ولم تغرد كثيراً خارج سرب الأقوياء خاصة الأمريكي، على الرغم من أنها وقفت كثيراً متفرجة على ظلم الظالم ومعاناة المُعاني دون أن تتدخل تدخلاً ينصف المظلوم.

منذ اعتلاء الرئيس الأمريكي ترامب سدة الحكم في البيت الأبيض سواءً في الولاية الأولى أو الثانية فتح النار على الجميع، دولاً ومؤسسات إقليمية ودولية وأشخاص؛ لأنه رأى فيهم أنهم يستحقون ذلك.

من تلك الجهات التي أطلق عليها ترامب نيرانه، "المنظمات الدولية"، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، ناسياً ما تقدمه تلك المنظمات لأمريكا ولسكان العالم بغض النظر عن طبيعة الخدمات.

لو أردنا بيان المنظمات التي تعرضت لإطلاق النار من قِبل ترامب، فيمكن القول بأن منها، منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان الأممي، والأونروا واليونسكو، وحلف الناتو.

ولو بحثنا في أنواع النيران التي أطلقها ترامب، سنجد أنه قلّص مساهمة أمريكا في الأمم المتحدة، وأخّر تعيين مسؤولين أممين فيها، وانسحب من منظمة الصحة العالمية، وجمّد تمويلها بالكامل، وأنهى المشاركة الأمريكية في مجلس حقوق الإنسان الأممي بدعوى انحيازه ضد أمريكا وإسرائيل، كما قطع التمويل نهائيًا عن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وانسحب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) مدعياً أنها تروج لقيم غير متوافقة مع السياسات الأمريكية، وحلف الناتو الذي يهدد بالانسحاب منه ويطالب بزيادة الإنفاق والمساهمة فيه ومشاركته في فتح مضيق هرمز بالقوة.

ترى ما الرسالة التي أراد ترامب إرسالها للعالم من خلال إطلاق نيرانه على تلك المنظمات؟

يرى البعض أن ترامب ربما من خلال تلك السياسات هدف إلى بناء نظام دولي جديد أكثر أمركة، فأمريكا التي أنفقت كثيرا من عمرها وجهدها ومالها على تلك المنظمات اتضح لها أنها كانت مخطئة، وبلغة أخرى فإن ما يقوم به ترامب يمكن اعتباره إعادة تموضع عقلاني وفرض شروط جديدة للهيمنة على المنظمات، بأنه إذا أردتم بقائي بينكم، عليكم الالتزام بما أفرضه عليكم، فلقد تحملت أمريكا عنكم أعباءً سياسية واقتصادية وعسكرية كثيرة، ولم تستفد منكم، وهذا ما عبر عنه ترامب حين صرّح يوم ٢٠ يناير ٢٠٢٦ علنًا قائلاً: "إن الأمم المتحدة لم تفدني بشيء قط، قد يحلّ مجلسي هذا محلّها"، يقصد مجلس السلام العالمي الذي أنشأه في ظروف مبادرته لإنهاء العدوان على غزة، وطلب من الجميع الانضمام له والمساهمة مالياً فيه بمبلغ يصل إلى مليار دولار.

في حين يرى البعض الآخر أن ذلك ربما يعتبر بداية انحسار النفوذ الأمريكي، وهنا يكون ترامب قد خدم العالم وأضر أمريكا من حيث لا يرغب أو يحتسب، خدم العالم بأنه فتح الباب أمام قوى دولية جديدة لقيادة المنظمات الدولية والاقليمية وتغيير برامجها، وأضر أمريكا حيث يجعل دورها متأخراً، ما ينعكس ذلك سلباً على حياة المجتمع الأمريكي.

ما سبق لا يعني فقدان الولايات المتحدة قوتها العسكرية، بل ربما قد تدخل أمريكا مرحلة الجمهورية المتأخرة تشبيهًا بروما، إذ تبدو قوية عسكريًا، لكن من الداخل تآكلت المنظمات وفاقمتها النزاعات.

ماذا قد يحدث؟

أتوقع حدوث المزيد من الاختلافات في المنظمات الدولية ليس بسبب سوء تعامل أمريكا معها، بل بسبب انقسام أعضائها بشأن سياسة أمريكا، فسوء إدارة أمريكا مع العالم خلق تذمراً، لكن هذا التذمر لم يترجم عند الجميع على هيئة سلوكيات تناسب حجم التذمر، بل بعضها تذمر قولاً وفعلاً، وبعضها تذمر قولاً، وبعضها كتم تذمره في قلبه، وذلك أضعف الإيمان والتذمر، ولسان حاله يقول: "سيذهب ترامب وتبقى أمريكا، فلننتظر صامتين ونقف على أرض رمادية".

المصدر / فلسطين أون لاين