"أن تعود من نقطة الصفر مرارًا"… ليست مجرد عبارة، بل واقع عاشته مصممة الأزياء هالة الدعالسة على مدار نحو عقدين، هي عمر مشروعها الصغير، الذي انتشلته مرارًا من تحت الركام بفعل القصف الإسرائيلي. ورغم الخسارات المتكررة، ما زالت متمسكة بحلمها، تمضي به قدمًا بإصرار لا ينكسر.
بدأت حكاية الدعالسة (40 عامًا) بعد تخرجها في تخصص تصميم الأزياء عام 2008، ثم دراستها إدارة الأعمال. لم تمضِ فترة طويلة حتى حصلت على دعم من إحدى المؤسسات لإطلاق مشروعها في تصميم وتفصيل الأزياء، خاصة العباءات والجلبابات. وسرعان ما أتيحت لها فرصة عرض منتجاتها في معرض بالمملكة المغربية، حيث لاقت إقبالًا واسعًا من زوار من جنسيات مختلفة، وتم بيع جميع القطع.
إصرار يتجدد
عادت الدعالسة إلى قطاع غزة أكثر تصميمًا على تطوير مشروعها، إلا أن الحروب الإسرائيلية المتعاقبة لم تمهلها الاستقرار. تقول لصحية "فلسطين": "خلال حرب 2014، قُصف منزل مجاور لمنزلي، ما أدى إلى تدمير جزئي لمشروعي، لكنني عدت للعمل مجددًا، وواصلت السعي لتحقيق حلمي بامتلاك أتيليه كبير إلى جانب مشغلي، وهو ما تحقق لاحقًا، إذ توسعت وافتتحت ثلاثة محال تجارية يعمل بها عدد من العاملين والعاملات".
لكن حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023 أعادت المشهد إلى نقطة البداية؛ إذ تعرض منزلها للقصف وهي بداخله في 15 أكتوبر، ما أدى إلى تدميره جزئيًا. وتروي: "أنقذت ما استطعت من فساتين الأفراح قبل أن تطالها الصواريخ، ووضعتها في حقائب كبيرة، ثم نزحنا من المنزل، لكنني حرصت على اصطحاب آلاتي معي".
ولم يتوقف الضرر عند هذا الحد، إذ تعرض المنزل لقصف جديد، ولم يتبقَّ سوى جزء من المشغل وبعض المعدات، مثل ماكينة الخياطة والقص. تضيف: "قبل الحرب كنت أدمج التصاميم الحديثة مع التراث الفلسطيني، لكن في مخيمات النزوح، ومع شح الملابس، اتجهت إلى إعادة تدويرها".
ابتكار تحت الحصار
في ظروف النزوح، وجدت الدعالسة نفسها أمام واقع مختلف، فابتكرت حلولًا بسيطة تلبي احتياجات الناس، تقول: "كنت أحوّل طقم الصلاة إلى بيجامة، والتنورة إلى بنطال، وصنعت إسفنجات جلي من أكياس الشبك، كما أعددت بدائل للحفاضات في ظل انقطاعها".
ومع دخول الهدنة حيز التنفيذ، لم يكن في بالها سوى العودة إلى مشروعها. وتوضح: "نفضت الغبار عن ما تبقى من آلاتي، واشتريت ما توفر من أقمشة رغم صعوبة المواصلات وتغير الأسواق. لجأت إلى الإنترنت للبحث عن المواد الخام، واشتريت بعض فساتين الأعراس من محال تعرضت للقصف لإعادة تدويرها".
تحديات مستمرة
ورغم محاولات النهوض، تواجه الدعالسة تحديات كبيرة، أبرزها اضطرارها إلى الاستغناء عن العاملات في التطريز اليدوي بسبب نقص الأقمشة وارتفاع أسعار المواد الخام، حيث ارتفع سعر بكرة الخيط الحريري من خمسة إلى عشرين شيكلًا.
كما تشكل أزمة الكهرباء عائقًا إضافيًا، إذ اضطرت لشراء منظومة طاقة شمسية بعد تعرض جزء منها للسرقة أثناء النزوح، إلى جانب الاشتراك في مولد كهربائي، ما يرفع تكاليف الإنتاج.
ورغم كل ذلك، تمكنت الدعالسة من إنتاج أكثر من خمسين قطعة جاهزة للإيجار خلال فترة قصيرة، لكنها تشير إلى أن ضعف السيولة لدى المواطنين وتدهور العملة يشكلان تحديًا أمام استمرار المشروع.
أمل لا ينطفئ
تؤكد الدعالسة أن الإقبال على منتجاتها ما زال قائمًا، إذ يشيد الزبائن بجمال التصاميم التي تمزج بين الحداثة والتراث. وتقول: "أعمل يوميًا لتأمين الحجوزات، وأحرص على تسجيل المصروفات والدخل بشكل دوري".
وتختم حديثها بأمل بسيط: أن تتحسن الظروف في قطاع غزة، وتتوفر مقومات العمل، لتتمكن من توسيع مشروعها مجددًا وإعادة العاملات اللواتي فقدن مصدر رزقهن، مؤكدة أن الحلم لا يزال حيًا رغم كل شيء.