لم تكن عقارب الساعة تنذر بالخطر؛ فالأجواء في حي الرمال وسط مدينة غزة بدت هادئة نسبيًا، فيما تمسّك السكان بأمل “وقف إطلاق النار” الذي أُعلن عنه مؤخرًا، علّهم يلتقطون أنفاسهم المثقلة بأشهر طويلة من الخوف والنزوح. وفي شقة سكنية داخل “عمارة المعتز”، كانت المسنّة فريال منية (68 عامًا) تتحرك بخفة بين أرجاء منزلها، ترعى أسرتها الكبيرة المكوّنة من تسع بنات، بينهن ثلاث كفيفات، إضافة إلى ابنة ترمّلت حديثًا بعد استشهاد زوجها.
لم تكن فريال تعلم أن ذلك الاستقرار الهش سيتبدد في لحظة، بفعل صاروخ إسرائيلي اخترق التهدئة ودمّر ما تبقى من معالم الحياة في قلب غزة.
وفي ثوانٍ، تحولت فريال من عمادٍ لأسرتها إلى جسد مثقل بالجراح والبتر، بعدما انهار المنزل فوق رأسها ورؤوس بناتها، لتنضم العائلة إلى سلسلة المعاناة التي يفرضها الاحتلال عبر القصف المباشر والحصار الطبي الخانق.
ويروي زوجها، الحاج حمدي منية لصحيفة "فلسطين”، تفاصيل اللحظات المرعبة قائلًا بصوت مرتجف: “كنا آمنين داخل بيتنا، نعتمد على وجود وقف لإطلاق النار. كانت فريال تقف قرب النافذة تتفقد الأجواء، وفجأة دوّت انفجارات ضخمة هزّت العمارة بالكامل. امتلأ المكان بالغبار والركام، ولم أعد أسمع سوى صرخات بناتي الكفيفات اللواتي لم يعرفن أين يهربن”.
ويضيف: “صرخت باسم فريال، ولم يكن هناك مجيب. بدأت أنبش الركام بيديّ بمساعدة الجيران، حتى وجدناها تحت جدارٍ منهار وخزانة خشبية ثقيلة سقطت فوق جسدها. كانت فاقدة الوعي والدماء تنزف من أنحاء جسدها”.
ومن على سرير المستشفى الميداني وسط غزة، تحدثت الحاجة فريال بصوت مرهق بالكاد يُسمع، قائلة: “كنت أخدم بناتي وأرعى شؤون البيت رغم كبر سني، أما اليوم فقد بُترت ساقي اليمنى ويدي، وتضررت أذني، فيما ثُبتت يدي الأخرى بالبلاتين. الاحتلال لم يدمّر بيتي فقط، بل حوّلني إلى امرأة عاجزة عن خدمة بناتي اللواتي يحتجنني”.
وتواجه العائلة اليوم واقعًا صحيًا بالغ التعقيد، في ظل انهيار المنظومة الطبية بقطاع غزة نتيجة الحصار واستهداف المستشفيات. وتحتاج فريال إلى عمليات جراحية متخصصة، وتأهيل جسدي ونفسي، وأطراف صناعية تساعدها على استعادة جزء من حياتها.
ويؤكد الحاج حمدي أن بقاء زوجته في غزة يهدد حياتها، قائلًا: “هي تموت كل يوم من شدة الألم، والمستشفيات هنا عاجزة عن توفير العلاج اللازم. نناشد الجهات الإنسانية مساعدتنا في سفرها للعلاج بالخارج، وكذلك توفير رعاية لبناتنا الكفيفات بعد أن فقدنا منزلنا وكل مقومات الحياة الكريمة”.
ويختتم حديثه بحسرة: “حسبنا الله ونعم الوكيل على من دمّر بيتنا، وسلب منا الأمان والاستقرار في كبرنا”.