لم تكن مجرد مصادفة عابرة، ولا علاقة جيرة أو مصاهرة فحسب، بل حكاية أرواحٍ تآلفت قبل أن تلتقي الأجساد. هكذا بدأت قصة الشهيدين إبراهيم محمد الدهشان (40 عامًا) ورفيق دربه فتحي رياض قروط (40 عامًا)، اللذين لم يتركا خلفهما سجلًا من الألم فقط، بل سيرة نادرة في الوفاء، بدأت بين أزقة حي الزيتون العريق، حيث تشاركا الطفولة والحلم، وانتهت تحت ركام المنازل، في معراج واحد يوم التاسع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
أرواح في جسد واحد
بصوت يختصر عقودًا من الذكريات، تتحدث الحاجة "أم عصام" (65 عامًا)، والدة الشهيد إبراهيم، لـ "فلسطين أون لاين" عن علاقة استثنائية: "لم يكن فتحي يومًا غريبًا عن بيتنا، تربّيا معًا تحت سقفي وفي حجري، حتى صرت أراه كأحد أبنائي. كانا كالتوأم، لا يفترقان، يتقاسمان الرغيف والكتاب والحلم، وحتى في أصعب أيام الحصار، كانت ضحكاتهما تملأ البيت وتخفف عنا الهموم".
وتضيف: "تعززت العلاقة أكثر حين اختار إبراهيم شقيقة فتحي زوجة له، فأصبح الصديق صهرًا، واجتمعت روابط الدم مع صداقة الطفولة. عاشا كل مراحل الحياة معًا، وكأن الله أراد أن يجمعهما في الآخرة كما جمعهما في الدنيا. رحلا وتركا في قلبي غصة، لكن عزائي أنهما اختارا الشهادة معًا، ولم يترك أحدهما الآخر وحيدًا".

الشهيد إبراهيم الدهشان
لم تتوقف هذه العلاقة عند حدود الطفولة، بل امتدت إلى مسيرة العلم والعمل؛ إذ جمعتهما الجامعة الإسلامية بغزة خلال سنوات الدراسة. درس إبراهيم الهندسة المعمارية، فيما اختار فتحي تخصص المحاسبة.
واستمر هذا التناغم بعد التخرج، حيث عمل إبراهيم في المجال الأكاديمي والمهني داخل الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، بينما سخّر فتحي خبرته في العمل الإنساني والخيري موظفًا في إحدى الجمعيات، ليعكس مسارهما المهني عمق العلاقة التي بدأت على مقاعد الدراسة وانتهت بالشهادة معًا.
جيرة الروح والجسد
من جانبه، يصف إحسان الدهشان (37 عامًا)، شقيق إبراهيم، هذه العلاقة بأنها تجاوزت حدود الصداقة التقليدية، قائلاً: "لم يكن فتحي مجرد صديق لإبراهيم، بل كان بوصلته في الحياة. منذ وعيت على الدنيا وهما معًا، في الفرح والحزن".
ويضيف: "حتى في أيامهما الأخيرة، لم يفترقا، تقاسما الهموم والقرارات، واختارا السكن في بيوت متلاصقة، وكأنهما تعاهدا ألا يترك أحدهما الآخر. وفي النهاية، صعدت روحهما معًا، كما عاشا".
ويؤكد الجار والصديق محمد حماد (36 عامًا) هذه الصورة، قائلاً: "على مدار ثلاثين عامًا، كانا كظلّين لا ينفصلان. لعبنا معًا كرة القدم، والتقينا في المسجد، وحتى في أبسط تفاصيل الحياة، كالتسوق، كانا دائمًا معًا. سكنهما في شقق متقابلة كان دليلًا على أنهما شقيقا روح لا تفصلهما الجدران".

الشهيد فتحي قروط
في ذلك اليوم الدامي، تجسّد الوفاء بأقسى صوره؛ فبينما ارتقى إبراهيم مع أطفاله الثلاثة تحت ركام منزله، كان فتحي قروط يودّع الحياة في اللحظة ذاتها، جراء القصف نفسه، برفقة زوجته وابنه البكر رياض.
رحل إبراهيم، المهندس الذي عُرف برقيه ودماثة أخلاقه، ورحل معه رفيق دربه فتحي، ليبقى الطفل الناجي "براء" شاهدًا وحيدًا على مأساة عائلتين لم يفرقهما الموت، بل جمعهما في كفن واحد وذكرى لا تموت.
تختم الحاجة أم عصام الحكاية بصبر موجوع: "نلت الشهادة يا حبيبي كما كنت تتمنى، وإنا على فراقك يا إبراهيم ويا فتحي لمحزونون".
رحلا بالجسد، لكن حكايتهما ستبقى حيّة في ذاكرة غزة، شاهدة على أن الوفاء في هذه الأرض أقوى من الموت، وأن الصداقة الحقيقية قد تمتد حتى آخر الطريق… وما بعده.

