فلسطين أون لاين

تحليل هدنة طهران وواشنطن.. إعادة رسم قواعد الصراع وتحولات في ميزان القوى

...
إعلان المفاوضات بين طهران وواشنطن في 10 نيسان الجاري في إسلام آباد
غزة- بغداد/ علي البطة

يشكل اتفاق وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن محطة مفصلية في مسار الصراع المتصاعد في المنطقة، حيث جاء بعد أسابيع من المواجهات المكثفة التي أعادت رسم ملامح التوازنات العسكرية والسياسية، وفرضت واقعا جديدا على مختلف الأطراف المنخرطة في هذا التصعيد.

هذا الاتفاق لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد تهدئة مؤقتة بقدر ما يعكس تحولات أعمق في طبيعة المواجهة، خاصة مع تداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، ما يجعله مؤشرا على مرحلة جديدة قد تتشكل ملامحها تدريجيا خلال الفترة المقبلة.

وفجر أمس، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ان الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على وقف لإطلاق النار "في كل مكان"، بما في ذلك لبنان، وذلك بعد وساطة حكومته لوقف الحرب التي بدأت في 28 فبراير.

فرض معادلات جديدة

الخبير العسكري اليمني أحمد سهيل اليماني، يرى أن الخسائر التي تكبدها الطرف الأمريكي الإسرائيلي كانت كبيرة، سواء على المستوى العسكري أو في ما يتعلق بالبنية التحتية، معتبرا أن حجم الضربات ودقتها شكل عاملا حاسما في تغيير مسار المواجهة وفرض معادلات جديدة على الأرض.

ويؤكد اليماني لـ "فلسطين أون لاين" أن النتائج العامة تميل لصالح طهران، ليس فقط من زاوية الخسائر المادية للطرف الآخر، بل أيضا من حيث توحيد المواقف وتعزيز حالة التماسك في مواجهة التحديات، وهو ما يمنحها أفضلية معنوية وسياسية واضحة.

كما يلفت إلى أن الضغوط المتراكمة، خصوصا الخسائر المتزايدة، دفعت واشنطن وتل أبيب إلى البحث عن مخرج يحفظ ما تبقى من توازنها، في ظل تصاعد حدة الضربات واتساع نطاقها في الأيام الأخيرة.

ويضيف أن دقة العمليات العسكرية وكثافتها لعبت دورا مهما في تسريع قبول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالهدنة، إذ لم تعد الخيارات مفتوحة كما كانت في بداية الحرب الإسرائيلية الأمريكية، ما فرض واقعا جديدا على صناع القرار.

موقف إيراني يعكس الثقة

وفي ما يتعلق بموقف طهران، يرى اليماني أن الموافقة على الاتفاق جاءت من موقع قوة، وضمن محاولة لإظهار الاستعداد للتهدئة دون التخلي عن عناصر القوة الأساسية، وهو ما يعكس ثقة في القدرة على إدارة المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضا: طهران توقف جهود التفاوض مع واشنطن .. (طالع التفاصيل)

ويشير إلى أن الاتفاق يتضمن شروطا تعكس توازنا جديدا، معتبرا أن الموافقة عليها من الطرف الأمريكي تمثل مؤشرا على التحول في طبيعة العلاقة بين الجانبين.

ويعتقد اليماني أن الاتفاق لا ينهي الحرب، بل يؤجلها، خاصة مع محدودية مدته، ما يجعله اختبارا حقيقيا لمدى التزام الأطراف ببنوده على أرض الواقع. متوقعا أن تبقى الهدنة هشة، مع احتمال كبير لخرقها في حال عدم الالتزام، ما قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر خلال فترة قصيرة.

ويحذر من أن التجارب السابقة تدعو إلى الحذر في التعاطي مع مثل هذه الاتفاقات، خاصة في ظل تاريخ طويل من التوتر وعدم الثقة بين الأطراف، ما يجعل أي تهدئة عرضة للانهيار.

تحولات مهمة في الموازين

من جانبه، يرى الخبير العسكري العراقي علي ناصر أن الحروب بطبيعتها لا تنتج فائزا مطلقا، إلا أن تقييم النتائج يرتبط بمدى تحقيق الأهداف المعلنة، لافتا إلى أن الطرف الذي بادر بالتصعيد لم ينجح في بلوغ أهدافه بعد أسابيع من القتال.

ويشير إلى أن المواجهة أفرزت تحولات مهمة في موازين القوى، من بينها بروز قوى إقليمية بصورة أكثر تأثيرا، ما يعكس واقعا جديدا يجب أخذه بعين الاعتبار في أي ترتيبات مستقبلية.

اقرأ أيضًا: التلفزيون الإيراني يعلن تفاصيل المفاوضات الإيرانية – الأمريكية في إٍسلام آباد

ويحدد ناصر جملة من العوامل التي دفعت نحو وقف إطلاق النار، من بينها الضغوط الاقتصادية الكبيرة، وتصاعد المعارضة الأمريكية الداخلية، إضافة إلى تنامي المخاوف من توسع الصراع إلى نطاق إقليمي أوسع.

كما يلفت إلى أن العزلة الدبلوماسية النسبية لتل ابيب وواشنطن أسهمت في تعقيد المشهد، حيث لم يكن الدعم الخارجي بنفس القوة المتوقعة، الأمر الذي زاد من صعوبة الاستمرار الأمريكي والإسرائيلي في العمليات العسكرية.

وبشأن موقف طهران، يعتبر ناصر أن قبول الهدنة يعزز من المكاسب السياسية والميدانية، خاصة في ظل عدم تحقيق الامريكي والإسرائيلي لأهدافهما التي أعلنوا نها من بداية الحرب، ما يمنح طهران فرصة لترسيخ موقعها الإقليمي.

ويرى أن هذا التطور قد يشكل بداية لمرحلة جديدة من التنافس، أقرب إلى حالة من "الحرب الباردة" بين إيران وأمريكا، حيث تتراجع المواجهة المباشرة لصالح جهات أخرى أقل تكلفة وأكثر تعقيدا.

وفي ما يتعلق بقواعد الاشتباك، يؤكد ناصر في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن الاتفاق يعكس محاولة لإعادة ضبط إيقاع المواجهة، من خلال فرض نوع من التوازن الذي يمنع الانزلاق نحو حرب شاملة في المنطقة، دون أن يلغي احتمالات التصعيد.

ويطرح الخبير العراقي عدة سيناريوهات محتملة، من بينها استمرار الهدنة لفترة محدودة، أو التحول نحو مفاوضات أوسع، أو العودة إلى التصعيد في حال تغيرت المعطيات الميدانية.

ويعتقد ناصر أن الاتفاق رغم أهميته، لا يمثل نهاية للصراع، بل هو مجرد مرحلة ضمن مسار أطول، قد يشهد جولات جديدة أكثر تعقيدا في المستقبل، ما يجعل من الصعب التعويل عليه كحل دائم.

المصدر / فلسطين أون لاين