تكشف مجزرة مخيم المغازي عن تحوّل خطير في دور مليشيات الاحتلال العميلة شرق قطاع غزة، بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه المجموعات تجاوزت إطار الصراع مع فصائل المقاومة، لتصبح أداة تستهدف المجتمع المدني نفسه، عبر الاعتداء على المدنيين، ونشر الفوضى، وترويع السكان، وخلق بيئة ضاغطة تدفع نحو النزوح القسري، ولا سيما في المناطق القريبة من خطوط التماس.
ويبرز توافق واضح على أن ما جرى في المغازي شكّل لحظة كاشفة أسقطت أي محاولة لتقديم هذه التشكيلات ضمن سياق داخلي، وأكدت ارتباطها البنيوي بالمخططات الإسرائيلية، سواء من حيث الإسناد العسكري المباشر أو الأهداف الإستراتيجية المرتبطة بإعادة تشكيل الخريطة السكانية.
وإزاء هذه الظاهرة، تبرز أهمية المواجهة المجتمعية والإعلامية، عبر تعزيز الوعي، وفضح طبيعتها، ومنعها من تحقيق هدفها في تفكيك النسيج الداخلي، في ظل تقديرات تشير إلى أن مستقبل هذه المجموعات سيظل هشًا ومرتبطًا بمدى قدرتها على الاستمرار تحت مظلة الدعم الخارجي.
لحظة كاشفة
يؤكد أستاذ الإعلام في جامعة أبو ديس، أحمد رفيق عوض، أن مجزرة المغازي تمثل لحظة كاشفة، ليس فقط على المستوى الميداني، بل أيضًا على مستوى الخطاب السياسي والإعلامي المرتبط بدور هذه العصابات.
وقال عوض لـ "فلسطين أون لاين": "حاولت بعض الروايات سابقًا تقديم هذه المجموعات باعتبارها جزءًا من حالة صراع داخلي أو ردّ فعل على واقع سياسي معين، إلا أن ما جرى مؤخرًا أسقط هذه السرديات، وأظهر أن هذه التشكيلات تعمل ضمن وظيفة محددة تخدم أهداف الاحتلال بشكل مباشر".
أستاذ الإعلام في جامعة أبو ديس، أحمد رفيق عوض
ويشير إلى أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو استخدامها كأداة "ناعمة – خشنة" في آنٍ واحد؛ فهي من جهة تنفذ أعمالًا ميدانية عنيفة، كاقتحام المنازل وإطلاق النار على المدنيين، ومن جهة أخرى تُستخدم لإنتاج حالة من الإرباك الإعلامي، عبر خلط الأوراق وتقديم المشهد وكأنه صراع داخلي، وهو ما يسعى الاحتلال من خلاله إلى تقليل مسؤوليته المباشرة عن الجرائم المرتكبة على الأرض.
ويرى عوض أن مجزرة المغازي كشفت بوضوح هذا التكامل بين الدور الميداني والدور الدعائي، خاصة مع التدخل الجوي الذي وفّر غطاءً لهذه المجموعات، ما يؤكد أنها جزء من منظومة عمل واحدة.
اقرأ أيضًا: عشائر غزَّة: ما اقترفه العدو وأذنابه شرق المغازي لن يكسر إرادة الشعب
ويضيف أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى تحقيق هدفين متوازيين: الأول إضعاف البنية المجتمعية وإشغالها بصراعات داخلية، والثاني خلق بيئة طاردة للسكان في مناطق محددة، بما يخدم مشاريع السيطرة والتوسع.
وفيما يتعلق بالمطلوب شعبيًا، يؤكد عوض أن المواجهة لا يجب أن تكون أمنية فقط، بل إعلامية ومجتمعية أيضًا؛ فالمطلوب، برأيه، كشف حقيقة هذه المجموعات للرأي العام، وفضح ارتباطها بالاحتلال، ومنع إعادة إنتاج أي خطاب يبرر وجودها أو يخفف من خطورتها.
كما يشدد على أهمية توثيق الانتهاكات التي ترتكبها، وإيصالها إلى المنصات الدولية، باعتبارها جزءًا من منظومة انتهاكات أوسع.
ويرى عوض أن هذه الميليشيات تعاني من أزمة شرعية عميقة، ولن تتمكن من بناء قاعدة اجتماعية حقيقية، ما يجعلها في حالة اعتماد دائم على القوة الخارجية.
ويضيف أن هذا النوع من الكيانات غالبًا ما يكون مؤقتًا، ويُستخدم في مراحل محددة لتحقيق أهداف تكتيكية، قبل أن يتم التخلي عنه أو إعادة تشكيله بصيغ أخرى. لكنه يحذر، في الوقت نفسه، من خطورة المرحلة الحالية، معتبرًا أن هذه المجموعات قد تستمر في إحداث أضرار كبيرة على المدى القصير، إذا لم يتم التعامل معها بوعي جماعي شامل.
ذراع ميدانية للاحتلال
يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل أن ما جرى في مخيم المغازي لا يمكن قراءته كحادث أمني عابر أو اشتباك محدود، بل هو تطور نوعي يكشف بوضوح طبيعة الدور الحقيقي للعصابات المرتبطة بالاحتلال.
وقال عوكل لـ"فلسطين أون لاين": "هذه المجموعات لم تُنشأ فقط كأداة لضرب المقاومة أو إرباكها ميدانيًا، وإنما كذراع ميداني يعمل على تفكيك المجتمع من الداخل، واستهداف البنية الاجتماعية للسكان، تمهيدًا لفرض وقائع جديدة على الأرض تخدم أهداف الاحتلال بعيدة المدى".
المحلل السياسي، طلال عوكل
ويؤكد عوكل أن ما حدث شرق المغازي يثبت أن هذه العصابات تتحرك ضمن خطة أوسع تستهدف المدنيين بشكل مباشر، عبر اقتحام المنازل، وترويع العائلات، وفرض حالة من الفوضى الأمنية، بما يدفع السكان إلى النزوح القسري، خاصة من المناطق القريبة من ما يسمى "الخط الأصفر".
ويضيف أن تدخل الطائرات المسيّرة بشكل مباشر لحماية هذه المجموعات وإسنادها بالنيران، يكشف حجم التنسيق العضوي بينها وبين جيش الاحتلال، ويؤكد أنها ليست مجموعات خارجة عن السيطرة، بل أدوات منظمة تعمل ضمن استراتيجية عسكرية وأمنية متكاملة.
ويذهب عوكل إلى أن الهدف النهائي من هذا النمط من العمليات هو إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية في قطاع غزة، عبر إفراغ المناطق الحدودية أو القريبة من خطوط التماس من سكانها، وتحويلها إلى مناطق عازلة تخضع لسيطرة مباشرة أو غير مباشرة للاحتلال.
اقرأ أيضًا: فصائل فلسطينية تدين مجزرة "المغازي" وتدعو لاجتثاث ظاهرة العملاء
ويرى أن هذه السياسة تشكل امتدادًا لمحاولات قديمة لتكريس واقع الفصل الجغرافي، لكنها اليوم تُنفذ بأدوات جديدة تعتمد على وكلاء محليين بدلًا من التدخل المباشر فقط.
أما على المستوى الشعبي، فيشدد عوكل على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب وعيًا جماعيًا بخطورتها، ورفضًا حاسمًا لأي محاولة لاختراق النسيج الاجتماعي، داعيًا إلى تعزيز أشكال الحماية المجتمعية، والتكاتف بين العائلات، وعدم السماح لهذه العصابات بتحقيق هدفها في نشر الفوضى.
كما يؤكد أن دور القوى السياسية والمجتمعية يجب أن يتركز على تحصين الجبهة الداخلية، وفضح هذه المجموعات وعزلها اجتماعيًا، باعتبارها ظاهرة دخيلة لا تمثل المجتمع الفلسطيني.
وفيما يتعلق بمستقبل هذه الميليشيات، يرى عوكل أنها لن تكون قادرة على الاستمرار على المدى الطويل، لأن بيئتها الحاضنة شبه معدومة، وأنها تعتمد بشكل كامل على الحماية الإسرائيلية. ويضيف أن مصيرها سيكون مرتبطًا بمصير المشروع الذي تخدمه، وأنها، في حال تراجع الدور الإسرائيلي أو تغيرت المعادلات الميدانية، ستتفكك سريعًا، كما حدث في تجارب سابقة مع مجموعات مشابهة في السياق الفلسطيني.