فلسطين أون لاين

حين يغيب القانون: الإعدامات الميدانية تعمّق جراح غزة

في غزة، حيث تتكاثف الأزمات وتتداخل خطوط الصراع، لا تبدو المأساة مجرد مواجهة مع الاحتلال بقدر ما هي حالة مركبة من الضغوط الخارجية والانكسارات الداخلية. وبينما تتجه الأنظار عادة إلى آثار العدوان المباشر، ثمة جرح آخر ينزف بصمت داخل المجتمع، يتمثل في تصاعد ظاهرة الإعدامات الميدانية، تلك التي تُنفذ خارج أي إطار قانوني، وتترك خلفها أسئلة ثقيلة حول العدالة والسلطة وحدود القوة.

هذه الإعدامات لا تحدث في فراغ، بل تنمو في بيئة هشّة تتراجع فيها سلطة المؤسسات، وتضعف فيها أدوات الضبط والمساءلة. ومع كل تراجع في حضور القانون، تتقدم قوى بديلة، غير خاضعة لرقابة حقيقية، لتملأ هذا الفراغ. وهنا، تتحول القوة من وسيلة لحماية المجتمع إلى أداة لفرض الأمر الواقع، وتصبح حياة الأفراد عرضة لقرارات سريعة، لا تستند إلى محاكمة ولا إلى معايير واضحة.

في هذا السياق، برزت مجموعات مسلحة تستغل حالة الانفلات، وتتحرك في مناطق رمادية يصعب إخضاعها للمحاسبة. هذه المجموعات، التي تتخذ من الظروف الاستثنائية مبررًا لوجودها، تمارس أنماطًا من العنف تتجاوز حدود أي منطق قانوني أو أخلاقي. الإعدام الميداني، هنا، لا يكون مجرد فعل معزول، بل يصبح رسالة ترهيب، وأداة لإحكام السيطرة، ووسيلة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل المجتمع.

الأخطر من ذلك، أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن تعقيدات المشهد السياسي والأمني، حيث تتردد اتهامات—لا تخلو من الجدية—حول ارتباط بعض هذه المجموعات بعلاقات مباشرة أو غير مباشرة مع الاحتلال، أو على الأقل وجود تقاطع مصالح يخدم أهدافه. فإضعاف البنية الداخلية، وزعزعة الثقة بين مكونات المجتمع، يصب في نهاية المطاف في مصلحة أي قوة تسعى إلى تفكيك خصمها من الداخل.

وحين يُستهدف أفراد، سواء كانوا مدنيين أو منخرطين في المقاومة، بعمليات قتل خارج القانون، فإن الخسارة لا تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تمتد لتطال المجتمع بأسره. إذ تتآكل الثقة، وتنهار الحدود بين الحق والباطل، ويصبح الخوف هو القاعدة، لا الاستثناء. ومع تكرار هذه الممارسات، تتشكل ذاكرة جماعية مثقلة بالظلم، ما يهدد بإنتاج دوامات جديدة من العنف والانتقام.

كما أن الإعدامات الميدانية تسهم في خلق بيئة نفسية واجتماعية مضطربة، حيث يشعر الأفراد بأنهم مكشوفون أمام قوة لا يمكن التنبؤ بها. هذا الشعور، بحد ذاته، كفيل بتقويض أي محاولة لبناء استقرار أو تعزيز صمود حقيقي. فالمجتمع الذي يفقد إحساسه بالأمان الداخلي، يصبح أقل قدرة على مواجهة التحديات الخارجية، وأكثر عرضة للتفكك.

ورغم كل ذلك، لا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بمعزل عن غياب منظومة عدالة فعالة. فحين تغيب المحاكم، أو تضعف إجراءات التقاضي، أو تتعطل آليات الإنصاف، تنشأ بدائل خطيرة، تحاول أن تملأ هذا الفراغ بأساليبها الخاصة، التي غالبًا ما تكون أكثر قسوة وأقل عدالة. وهنا، يصبح استعادة دور القانون ليس مجرد خيار، بل ضرورة وجودية لحماية المجتمع.

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من مجرد إدانة خطابية؛ إنها تحتاج إلى إرادة حقيقية لإعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الشفافية، وتفعيل آليات المحاسبة، دون استثناء. كما تتطلب وعيًا مجتمعيًا يرفض التطبيع مع العنف، ويرفض تبرير الإعدامات تحت أي ذريعة، مهما كانت الظروف.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح أن العدالة، حين تغيب، لا تترك فراغًا محايدًا، بل تفتح الباب أمام أشكال أكثر قسوة من الظلم. وفي غزة، حيث تتكاثر الجراح، لا يحتمل الواقع مزيدًا من النزيف الداخلي . فحماية الإنسان، وصون كرامته، يجب أن تظل البوصلة التي لا تنحرف، حتى في أحلك الظروف.

المصدر / فلسطين أون لاين