في أعماق غزة حيث يتسلل البرد القارس إلى عظام الأطفال الجائعين ويخيم الظلام على الشوارع المدمرة كأنه ضباب الموت الذي يخنق الروح ،كانت الحياة تُروى قصة مأساوية تشبه روايات الفقر والظلم في عصر العصور الوسطى. غزة تعيش في زمن الحصار الاقتصادي الخانق زمن النقص في السلع الأساسية والأدوية حيث يصبح الوصول الى الخبز حلماً صعبا فقد اوقفت المؤسسات في جنوب القطاع توزيع الخبز على النازحين والدواء شحيح ورفيق الموت لندرته.
أهل غزة هؤلاء البشر الذين يحملون في قلوبهم أملاً يتحدى اليأس يعانون اليوم ما يشبه سجن العصور الوسطى لكن بأدوات حديثة من التعمد والإهمال الإسرائيلي المتعمد.
كان الحصار الاقتصادي الذي يمتد لأكثر من ستة عشر عاماً يُطبق كأنه يد حديدية تضغط على صدر المدينة إضافة للمحرقة الاسرائيلة المستمرة ضد سكان غزة،حسب آخر تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة أوتشا في مارس 2026 يعاني أكثر من مليوني نسمة من نقص حاد في الغذاء والمياه النظيفة والوقود بينما تتكدس الشاحنات خارج الحدود دون أن تُسمح لها بالدخول. السلع الأساسية الطحين الحليب الزيت أصبحت قليلة وكذلك الأدوية تختفي من الصيدليات كأنها سرقتها أيدٍ خفية لكنها يد الاحتلال الإسرائيلي الذي يضع القيود على دخولها . منظمة الصحة العالمية أعلنت في السادس من مارس 2026 أن المخزونات الطبية في غزة وصلت إلى مستويات حرجة للغاية رغم إعادة فتح بعض المعابر جزئياً. المستشفيات تكافح لإنقاذ المرضى بأدوات متهالكة والجراحون يعملون بدون مخدر أو مضادات حيوية كافية. أين الإنسانية هنا؟ أين الضمير الذي يدعي أنه يحكم العالم؟
لكن المعاناة لم تقف عند النقص المادي. انتشرت الأمراض كالنار في الهشيم بسبب الظروف الصحية المتدهورة التي صنعها الاحتلال عمداً بمنعه دخول المبيدات الحشرية في ظل انتشار الحشرات والقوارض بين خيام النازحين متسببة لهم بأمراض . تقارير الأونروا في مارس 2025 تشير إلى أن السلطات الإسرائيلية تمنع دخول مواد التنظيف والنظافة الشخصية منذ أشهر مما يحول المخيمات إلى بؤر للأوبئة. كما وثقت منظمات الإغاثة. النتيجة؟ انتشار الأمراض المائية كالإسهال الحاد والتهابات الجلد وأمراض الجهاز التنفسي و التهاب الكبد. الأطفال يموتون من سوء التغذية أكثر من مئة ألف طفل دون الخامسة مهددون بالتدهور الصحي الطويل الأمد حسب تقديرات أوتشا في يناير 2026. النساء يلدن في الظلام دون رعاية والمسنون يعانون الجروح التي لا تلتئم بسبب نقص المضادات. إنها ليست صدفة إنها سياسة متعمدة. الاحتلال يوقف التنسيق مع المنظمات الدولية ويمنع دخول شاحنات الإغاثة الإنسانية ويحول المعابر إلى حواجز بيروقراطية قاتلة. منذ مارس 2025 حسب تقارير دولية منع دخول المساعدات الإنسانية مباشرة مما يجعل التنسيق متوقفاً كأنه قرار سياسي اسرائيلي لإطالة الألم.
في هذا الجحيم يبرز صوت مؤسسات المجتمع المدني كشعلة في الظلام. المنظمات الفلسطينية المحلية مثل تلك المنضوية تحت لجان الإغاثة والتنمية تصدر بيانات تندد بالحصار كجريمة جماعية تستهدف المدنيين. يقولون هذا ليس حصاراً عسكرياً فحسب بل حرب على الكرامة الإنسانية. منظمات مثل أطباء بلا حدود أم إس إف وأوكسفام تؤكد في تقاريرها الأخيرة أن منع مواد النظافة و المياه والصرف الصحي والنظافة يُسرّع من كارثة صحية وتدعو إلى رفع الحصار فوراً كخطوة أولى نحو الإصلاح.
أما الخبراء في الأمم المتحدة فيصفون الوضع بأنه تجويع متعمد مطالبين بإصلاحات سياسية جذرية إنهاء الاحتلال وفتح المعابر دون قيود وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة تحت إشراف دولي محايد. يطالبون بضغط دولي حقيقي لفرض وقف إطلاق نار دائم وإطلاق عملية سلام تُعيد للفلسطينيين حقوقهم في السيادة والكرامة، اضافة الي منع اسرائيل ادخال كرافانات ايواء كريم للسكان المدمرة بيوتهم بدل الخيام المهترئة التي لاتحمي من برد الشتاء ولاحر الصيف. الإغاثة الإنسانية ليست بديلاً عن العدالة السياسية كما يرددون في بياناتهم المشتركة.
يا لها من مأساة! الطفل الصغير الذي يبكي جوعاً في خيمة مهترئة والأم التي تُرضع طفلها من ماء ملوث والرجل الذي يفقد بصره بسبب نقص الدواء كلهم بشر مثلنا يستحقون الحياة.
إنسانيتهم تُصرخ في وجوهنا كيف ننام ونحن نعلم أن سياسة متعمدة تحول غزة إلى سجن مفتوح يُقتل فيه الأبرياء بالبطء؟ يجب أن تكون الإصلاحات الانسانية فورية رفع الحصار الاقتصادي كلياً ضمان تدفق السلع والأدوية والمنظفات دون تأخير وإعادة التنسيق الإنساني مع المنظمات الدولية . العالم مدعو إلى الوقوف مع الحق لا مع القوة. فليكن الضغط الدولي من الأمم المتحدة إلى الدول الصديقة قوة تدفع نحو حل عادل ينهي هذا الظلم ويُعيد لأهل غزة أملهم في غدٍ أفضل.
في نهاية هذه القصة المريرة يبقى الأمل الضعيف أن يستيقظ الضمير العالمي وأن تتحول كلمات الشفقة إلى أفعال. غزة ليست مجرد أرض إنها شعب ينبض بالحياة يستحق أن يعيش بحرية وكرامة. دعونا نرفع أصواتنا قبل أن يبتلع الظلام آخر شعاع من الإنسانية.

