فلسطين أون لاين

المسجد الأقصى موصد.. وساحة حائط البراق مفتوحة للتدنيس!

يدخل إغلاق المسجد الأقصى في شهره الثاني، ويُمعن الاحتلال في منع الفلسطينيين من الاقتراب من المسجد، أو أداء الصلوات أمام أبواب الأقصى وفي أزقة البلدة القديمة، ومن الواضح أن سلطات الاحتلال تسعى إلى المضي قدمًا في هذا الإغلاق. ومع اقتراب حلول "عيد الفصح" العبريّ، أعلنت سلطات الاحتلال عزمها فتح حائط البراق المحتلّ في 5 أبريل/نيسان لـنحو 50 حاخامًا لأداء طقوس "بركة الكهنة" بمناسبة عيد الفصح اليهودي، ونحاول في المقال الآتي مناقشة هذا القرار، واستعراض أبعاده المختلفة.

تكريس الإغلاق: أداة لتفريغ المسجد وتغيير هويته

استمرار إغلاق الأقصى جزءٌ من محاولات الاحتلال فرض نفسه صاحب الأمر والنهي، ليس على المسجد الأقصى فقط، بل على القدس والأراضي المحتلة عامةً، فهو صاحب "السيادة" على المقدسات، والمتحكم بمن يدخل ويخرج. وفي ظل استمرار الإغلاق، وما نشرته المصادر الإعلامية الغربية بأن سلطات الاحتلال ستمدّد الإغلاق حتى منتصف شهر نيسان/إبريل، وإمكانية تمديد الإغلاق حتى نهاية الحرب، والتي تتعقد يومًا بعد آخر، ولا يُشير هذا الإغلاق إلى الإجراء العقابي فقط، بل يمتدّ إلى أعمق من ذلك بكثير، فهو إفراغ متعمّد لجنبات الأقصى، وتهيئة للمزيد من العدوان على المسجد، لتحويله من مقدسٍ إسلاميٍّ خالص، إلى "مقدس مشترك" مع الاحتلال ومستوطنيه، وكل محطة من المحطات القادمة ستشهد المزيد من هذا العدوان، في ظل تغوّل رسمي إسرائيليّ يبدأ من المسرى ولا يقف عند الأسرى، وهنا يأتي قرار السماح للحاخامات بأداء الطقوس في ساحة حائط البراق المحتلّ.

لالات استثناء الحاخامات: تهويد الحيز المكاني وتكريس التمييز

لا يُمكن قراءة هذا الإجراء بوصفه حدثًا عابرًا، أو مجرد استثناء ديني في ظروف الحرب المستمرّة، إنما هو خطوة مدروسة تحمل دلالات عميقة، وتندرج ضمن سياق أوسع، يهدف إلى إعادة تشكيل هوية القدس المحتلة، ويحمل القرار دلالات عديدة، أركز على أبرزها في الأبعاد الآتية:

البعد الأول، استغلال الأزمات لتكريس السيادة والتهويد المكاني، فالاحتلال من خلال القرار، يعمل على ثبيت سيادته على هذا الجزء المحتلّ من حائط البراق، وهو جزء لا يتجزأ من السور الغربي للمسجد الأقصى المبارك، والسماح بأداء طقوس "بركة الكهنة" في الوقت الذي تُغلق فيه قوات الاحتلال أبواب المسجد بالقوة، وتمنع المصلين من الاقتراب من المسجد، أو حتى أداء الصلوات في الطرقات المؤدية إليه، هو استعراضٌ لفائض القوّة، ورسالة في سياق تثبيت "السيادة" على المسجد المبارك، وعلى المدينة عامةً، في إشارة إلى أن المتحكم الكامل بهذا الحيز المكاني هو الاحتلال فقط.

البعد الثاني، التماهي مع أطروحات المستوي الديني عامة، و"منظمات المعبد" على وجه الخصوص، والتي تتعامل مع الأعياد اليهوديّة على أنها محطات مركزية لا يُمكن تجاوزها، وهنا يأتي هذا القرار مع حلول "عيد الفصح"، الذي يُشكل واحدًا من أبرز المحطات لتصعيد العدوان على القدس والأقصى، والمضي قُدمًا في سياسة قديمة، تتعامل مع الأعياد اليهوديّة على أنها مواسم لتكثيف الحضور اليهودي البشري أو الطقسي في القدس، في سياق معركة الهوية، ومحاولات الاحتلال فرض الهوية اليهوديّة في المدينة المحتلّة.

البعد الثالث، ترسيخ سياسة التقسيم والتمييز الممنهج، ففي الوقت الذي مُنع فيه الفلسطينيون من إحياء ليالي القدر في المسجد الأقصى، وحرموا من أداء صلاة عيد الفطر والجمع داخل المسجد، يستثني الاحتلال حاخاماته لأداء طقوسهم أمام حائط البراق المحتلّ، وهو ما يُبرز هذه المفارقة الصارخة والتمييز الممنهج. مع استمرار حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى الأقصى، وعزل البلدة القديمة بذرائع أمنية واهية، ويُحصر الحضور الإسلامي في المسجد بأعداد قليلة من موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية، وهو عددٌ لا يستطيع حماية المسجد الأقصى من أيّ اعتداء يُمكن للمستوطنين القيام به، في ظل مساحة المسجد والحضور الأمني الكثيف داخل الأقصى وفي محيطه.

البُعد الرابع، ترسيخ الأولوية للمستوطنين في كل مناحي الحياة وصولًا إلى المواسم الدينيّة، وهو ما تجلى بالتزامن مع عيد "المساخر"، الذي تزامن مع إغلاق الأقصى خلال شهر رمضان الماضي، فقد شهدت القدس المحتلة احتفالات المستوطنين بهذا العيد، على الرغم من الحرب، وهو ما يُشير إلى هدف مركزيّ لدى الاحتلال، المتمثل بتفريغ المحيط الإسلامي للمسجد، وفرض الوجود الاستيطاني داخل الأقصى أو في محيطه.

ختاماً، لا يُمثّل قرار السماح بأداء الطقوس التلمودية في ساحة البراق -بينما تُوصد أبواب الأقصى- مجرد إجراءٍ أمني أو استثناءٍ ديني عابر، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من مساعي التهويد وتغيير هوية القدس المحتلة.

ولا شك بأن هذا القرار، يُعدّ مفارقة صارخة، ويؤكد بأن معركة السيادة على المسجد الأقصى المبارك مستمرّة؛ فالاحتلال يُسابق الزمن لفرض وقائع جديدة على الأرض مستغلاً الظروف الحالية، وهو ما يستوجب قراءة فلسطينية وعربية دقيقة لهذه التحولات، وتحركًا يتجاوز بيانات التنديد لتعزيز رباط المقدسيين وحماية الهوية الإسلامية الخالصة للمسجد الأقصى ومحيطه.

المصدر / فلسطين أون لاين