في قطاع غزة لم تعد الحرب تستثني أحداً، حتى الأطفال الرضّع الذين تحوّل بعضهم إلى ضحايا مباشرة لانتهاكات قاسية، إذ تكشف حادثة الطفل “جواد” عن استخدام الأطفال ورقة ضغط، وما يخلّفه ذلك من آثار جسدية ونفسية عميقة.
تزداد الشهادات على انتهاكات يتعرض لها مدنيون في قطاع غزة، وسط أوضاع إنسانية معقدة، إذ يواجه السكان مخاطر يومية تمتد من القصف إلى الاعتقال، بما في ذلك حالات تمس الأطفال مباشرة. وتبرز مخاوف حقوقية من تداعيات هذه الممارسات على الصحة النفسية للأطفال، ولا سيما مع غياب بيئة آمنة تحميهم.
وسط هذه الوقائع، تتجسد القصة بوضوح في حادثة الطفل جواد أسامة أبو نصار، الذي لم يتجاوز من عمره 18 شهراً، ليجد نفسه فجأة في قلب تجربة اعتقال وتعذيب، بعيداً عن حضن أمه.

في 19 مارس/آذار 2026، خرج والد الطفل، أسامة أبو نصار (25 عاماً)، من منزله في مخيم المغازي مصطحباً طفله لشراء بعض الحاجيات، قبل أن يتجه بشكل مفاجئ نحو المنطقة الشرقية القريبة من مواقع جيش الاحتلال.
تروي جدة الطفل، رنا أبو نصار، أن الجنود أطلقوا النار بكثافة، قبل أن يطلبوا من الأب عبر مكبرات الصوت التوقف وترك الطفل، ثم جرى اعتقاله، بينما أُخذ الطفل بشكل منفصل.
بعد ساعات طويلة من الغياب، تلقت العائلة اتصالاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر للحضور واستلام الطفل.
تقول الجدة لصحيفة "فلسطين": “كان نائماً من شدة البكاء… وعندما سمع صوت أمه استيقظ فزعاً وارتمى في حضنها”.
لكن الصدمة كانت أكبر مما توقعوا؛ إذ كان جسد الطفل يحمل آثار تعذيب واضحة. تضيف: “كان بنطاله مليئاً بالدماء، وعندما غيرنا ملابسه اكتشفنا وجود ثقوب في قدميه، إحداها ناتجة عن إدخال آلة حادة، وأخرى آثار حرق”.
بحسب إفادات العائلة، أُبقي الطفل بعيداً عن والدته لأكثر من عشر ساعات، تعرض خلالها لتعذيب نفسي وجسدي، بينما كان شاهداً على اعتقال والده.

ولا يستطيع الطفل التعبير عما حدث إلا بكلمات متقطعة يرددها باستمرار: “دم… يهود… بابا”، في تلخيص مؤلم لتجربة تفوق عمره بكثير.
يؤكد تقرير طبي صادر عن مستشفى شهداء الأقصى أن الطفل وصل وهو يعاني من انتفاخ في الركبة اليمنى وتقيؤ متكرر، مع وجود جروح قطعية في محيط الركبتين بكلتا القدمين، فيما أظهرت الفحوصات أن حالته العامة مستقرة، دون إصابات داخلية في البطن أو الصدر.
وأفادت العائلة أن الطبيبة رجّحت أن الثقوب ناتجة عن إدخال جسم حاد، ما يعزز رواية التعذيب.

منذ عودته، تغيّر سلوك “جواد” بشكل ملحوظ؛ إذ أصبح شديد التعلق بوالدته، يرفض الابتعاد عنها، ويخشى اللعب أو الخروج، كما يتألم عند معالجة جروحه.
تقول والدته: “لم أتخيل أن يُحتجز طفلي بهذا العمر… وأن يُعذّب بهذه القسوة”، متسائلة عن الدافع وراء استهداف طفل رضيع بهذه الطريقة.
من جانبها، أوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها سهلت نقل الطفل في 19 مارس/آذار بهدف لمّ شمله مع والدته، مؤكدة أن عملياتها تركز على ضمان النقل الآمن والكريم، مع الامتناع عن مشاركة تفاصيل إضافية حفاظاً على الخصوصية.
تبقى قصة “جواد” شاهداً على واقع قاسٍ يعيشه أطفال غزة، حيث تتحول الطفولة إلى ساحة للألم، وتصبح أبسط حقوق الأمان حلماً بعيد المنال. وبين جراح الجسد وندوب الذاكرة، يكبر السؤال: كيف لطفل لم يُكمل عامه الثاني أن يحمل كل هذا الوجع؟.


