﴿ وَفي ذلِكَ فَليَتَنافَسِ المُتَنافِسونَ﴾ المطففين26
في غزة، حيث النار لا تخمد والدم لا يجف، ينبثق إبداع الفداء من رحم المحرقة، شبابٌ يتحدى جيش الظلام بذكاء يُحاكي حكمة سليمان، يقاتلون بلا كلل ولا يأس، ينسجون من تحت الركام ثوب النصر بعرق الجراح ودم الشهداء، يبدعون طرقًا لم تُرَ في التاريخ، يتنقلون بين النفق والزقاق كالسياط على ظهور أعداء صُنعوا ليُخضعوا، لكنهم صاروا عبرة وجحيمًا، إذ هنا يولد الإلهام من رحم القهر، وحيث كل لحظة موت تتحول إلى شرارة حياة، وكل جرح يتلوه صدى الانتصار، فلا هزيمة تُثنيهم ولا خوف يُكسر إرادتهم، فغزة ليست مدينة بل أسطورة، حكاية أبطال لا يُنسون، يكتبون بدمهم وشجاعة لا تعرف الحدود، شعلة حرة في وجه عتمة الغزاة، وصرخة الله التي تُزلزل عروش الطغاة.
إبداع مسارات المقاومة وشبابها الفدائي الفريد وكيف تطور الأداء وتغيرت طرق المواجهة لعصابات الإبادة مع كل مرحلة واجتياح وهجوم نازي، تدرك حجم الجهد والفكر والإبداع الذي يبذله قلة من الذين خرجوا لملاقاة جالوت وجيشه الظالم، ومرونة مقاومة، وأن الأمر متروك لكل منطقة لتقدر طريقة إدارتها للمعركة عبر استثمار أمثل للقدرة في الإيقاع بجيش غبي كرتوني ولكنه منفوخ بزعم الجيش الذي لا يقهر والأحزاب التي احتشدت له الجندي الأسطورة، قبل أن يتهاوى كل ذلك حين التقى مع أبطال مقاتلين يخرجون له من كل زاوية وزقاق ومن فوهة نفق.
إبداع سليمان عليه السلام أن ترك الفرصة للجن في التنافس الحر {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} النمل 38، {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} النمل 40.
وكذا كان جند داوود الذي قتل جالوت وورثه ولده سليمان الملك والحكمة والإدارة الحازمة في إطار فن الممكن القائم على التطوير في ظل الحاجة ومواجهة المشكلات والمعضلات والأزمات عبر الإبداع والتكيف والتنوع في الحلول من خلال معايشة الميدان وتطوراته رغم باسه وشدته.
ومن ذلك القيادة بالشراكة ومنح الفرصة والبحث عن الأفكار الجديدة والاقتناع بأن الخير قائم وقادم وكبير، وأن من شاور الناس شاركهم في عقولهم؛ فما بالك حين يكون هؤلاء هم خير من أنجبت الأرض المقدسة وهم وعد الله عليها، وإنهم ينتمون إليها وتذوب أجسادهم وتصبح رمادًا ولا يذكرهم أحد دفاعًا عنها، ويحررون أرضهم المقدسة من رجس شذاذ الآفاق والقتلة من عصابات الإبادة، ودعاؤهم فقط {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة 127.
وغزة خرجت عن المألوف في الطوفان وتفاصيل يوميات المحرقة وجرائم الإبادة الجماعية التي مورست بحقها، وكذلك خارج عن المألوف في قدرتها ومساحتها وتعدادها بل وصمودها وثباتها الأسطوري. بذلك أصبحت غزة خارج الزمن بل خارج الأرض لتصنع عالماً جديدًا؛ وفي مواجهة كل ذلك الإبداع ملازمها في الإعداد والاستعداد والتهيئة وفي الإنفاق والصواريخ وفي مسارها ومسيرتها للعودة ومواجهة الحصار، وكذا اليوم يلزمها وهي تواجه محرقة مجنونة عبر البث المباشر.
غزة عاشت كل محطاتها القريبة لعقدين من الزمن إدارة أزمات وطوارئ، فلم تعد الحياة فيها إلى أزمات مركبة، والقدرة على مواجهتها تحتاج سلوكًا إبداعيًا استثنائيًا؛ وفي كل مرة يخرج عن المألوف حيث الإبداع يخنق الأزمات وما يصاحب ذلك من مرونة عالية واستجابة ذكية وتكيف سريع عايشناه مع كل مرحلة، كيف تواجه أزمة وأنت بدون أولادك وبدون بيتك وأنت تغير مكانك وأنت في مركز نزوحك وأنت تعيش وسط الركام وتعاني في خيمة والقصف يصاحب سمعك على مدار الساعة ولا تجد كسرة خبز أو شربة ماء وجثامين الشهداء في الطرقات تنهشها الكلاب الضالة وطوابير العطشى والجوعى لا نهاية لها.
ورغم كل ذلك عليك أن تتكيف، أن تبدع في حلولك، أن تنتقل بسرعة البرق من مرحلة لأخرى ومن فكرة إلى ثانية دون كلل أو هزيمة أو تردد أو استسلام، أن تعيش الشراكة واليوميات مع محيطك وأن تستلهم منهم الرأي والفكرة، وأن توسع دائرة البدائل، وأن تحقق شراكة مجتمعية وعقلية واسعة قائمة على قواعد الحرية والعدالة، وأن تبادر بمقترحات جديدة ومحاولة النجاح من الجميع لا تتوقف، ولا تعرض مشكلة وحسب، وإنما حلول وإبداعات وطرق للنجاح {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} النمل 18.

