شهدت الأيام الأخيرة تصعيدا غير مسبوق بين إيران من جهة و"إسرائيل" واميركا من الجهة الأخرى، بعد تنفيذ ضربات صاروخية دقيقة استهدفت مواقع استراتيجية حساسة داخل الأراضي المحتلة، أحدثت دمارا واسعا، وأرسلت رسائل عابرة للحدود العسكرية التقليدية، مؤشرة على تحول جذري في قواعد الاشتباك بالمنطقة.
في الوقت نفسه، تصاعدت التهديدات الأمريكية، على لسان الرئيس دونالد ترامب، الذي لوح برد قاس قد يشمل منشآت الطاقة الإيرانية، قبل أن يتراجع أمس، معلنا تأجيل أي عمل عسكري وفتح مجال للمفاوضات لمدة خمسة أيام، في خطوة تعكس توازنا دقيقا بين الضغط العسكري والدبلوماسي.
معادلات جديدة
الخبير العسكري أحمد سهيل اليماني أكد أن الضربات الإيرانية الأخيرة لم تكن مجرد رد عابر، بل إعلان قدرة تحت سقف السيطرة، بعد نشر بيان رسمي عن معادلة عسكرية جديدة، تهدف لكسر أنماط الاشتباك التقليدية التي اعتمدتها (إسرائيل) ودول الناتو في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح اليماني لـ "فلسطين أون لاين" أن الضربات التي استهدفت النقب وديمونة استخدمت تقنيات رقمية مدمجة في أنظمة صاروخية هجومية متطورة، قادرة على المناورة وتجاوز منظومات الدفاع الإسرائيلية بدقة فائقة، ما لم يظهر في الضربات السابقة.
اقرأ أيضًا: خبيران: إيران تفرض معادلة استنزاف تحبط رهانات واشنطن و "تلَّ أبيب"
وأشار إلى أن الضربات نجحت في تجاوز أربع منظومات دفاعية متقدمة لإسرائيل، وهو ما يدل على التقدم الكبير الذي أحرزته إيران في تطوير بنية صاروخية متكاملة قادرة على الوصول لأي هدف في العمق المحتل.
ويرى اليماني أن الضربة لم تكن عسكرية فقط، بل حملت رسائل استراتيجية واضحة بأن إيران تتحكم في توقيت الرد وشكل الضربة، وهو ما يمثل تحولا في قواعد الردع الإقليمي ويضع إسرائيل أمام معادلة جديدة.
ويوضح أن الضربة كسرت الهيبة العسكرية التقليدية لإسرائيل وحلف الناتو، وكشفت عن قدرة إيران على التفوق التكنولوجي دون إعلان إعلامي، وهو ما يمثل تغييرا جذريا في ميزان القوى بالشرق الأوسط.
وأشار إلى أن الضربة عملت على تعزيز الردع الداخلي الإيراني، إذ أظهرت للجمهور قدرة البلاد على مواجهة التهديدات، مع تقديم رسالة مباشرة للعدو بأن أي استهداف لإيران سيقابل برد محسوب وفوري.
بروفة حرب
ويعتقد الخبير العسكري أن الضربات كانت نتيجة لتخطيط استراتيجي دقيق واستخدام قاعدة معلومات متقدمة، تمكن الحرس الثوري من تنفيذ عمليات هجومية معقدة دون كشف مسبق، ما يمثل مرحلة جديدة من الحرب الرقمية والتقنية في المنطقة.
ويصف اليماني الضربات بأنها بروفة حرب، تهدف لإثبات القدرة على الوصول إلى الأهداف في أي وقت، وليس مجرد حرب فعلية، وهو مؤشر على استعداد إيران الكامل لأي مواجهة مستقبلية، مع تعزيز الردع الإقليمي والدولي.
من جهته يرى الباحث في الشؤون العسكرية والأمنية عباس الساعدي أن الضربات الإيرانية استهدفت القواعد الأمريكية في المنطقة، والتي تعتبر قوة ردع أساسية للعدو الصهيوني، وهو ما يجعل الضربات قاضية من منظور الاستراتيجية الإقليمية ويعكس قدرة إيران على توسيع نطاق الرد.
ويوضح الساعدي لـ"فلسطين أون لاين" أن الضربات في عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة ضربت العمود الفقري للقوى الصهيونية، مؤكدا قدرة إيران على استهداف البنى التحتية الحيوية للعدو، وهو ما يمثل تحولا في تكتيكات المواجهة.
الخيارات الصعبة
ويوضح أن (إسرائيل) أمام خيارين صعبين: رد قوي قد يؤدي إلى حرب إقليمية، أو رد محدود للحفاظ على الردع. الاتجاه الأقرب بحسب الساعدي هو رد ذكي وغير مباشر، يوجع العدو دون إشعال مواجهة شاملة.
ويشير إلى أن الرد قد يشمل مناطق استراتيجية بعيدة عن المنشآت النووية الإيرانية، بما يسمح بإيصال الرسالة دون التصعيد الكامل، وهو ما يعكس حرص القوى الدولية على تجنب مواجهة مباشرة.
اقرأ أيضًا: من الخليج إلى الاقتصاد العالمي… تداعيات متسعة للحرب على إيران
ويوضح أن إدارة التصعيد الإيراني والإسرائيلي تتم بحذر شديد، مع مراعاة ألا يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى انفجار المواجهة، خصوصا مع مشاركة أطراف متعددة محتملة، وهو ما يزيد أهمية الحوار والوساطات.
دور الإعلام
ويرى الساعدي أن الإعلام جزء من إدارة الأزمة، حيث يمكن لتصريحات شخصيات مثل ترامب أن ترفع سقف التصعيد أو تفرض إيقاعا جديدا على القرارات العسكرية، مما يجعل كل تصريح أداة ضغط فعالة.
وأوضح الساعدي أن تصريحات ترامب لم تؤثر على المجال العسكري بقدر ما كانت أدوات ضغط سياسية، وقد تساعد في التهدئة إذا ما تجنب الهجوم المباشر على إسرائيل. مشيرا إلى أن المنطقة الواقفة على أرض هشة قد تشهد فتح جبهات جديدة للفواعل المسلحة وتعميق الانقسامات الإقليمية، ما يزيد من خطورة أي خطأ أو تصعيد غير محسوب.
وأوضح أن أي توتر مع إيران يؤدي فورا إلى ارتفاع أسعار النفط وتهديد الملاحة في الاقليم وقلق الأسواق العالمية، وهو أثر اقتصادي مباشر حتى قبل أي مواجهة عسكرية فعلية.
فرص الاحتواء والدبلوماسية
السيناريو الأقرب وفق الساعدي هو الاحتواء، عبر ردود محدودة، وتدخلات دبلوماسية ووساطات دولية كبرى، مع دور بارز لسلطنة عمان وروسيا في تهدئة الأزمة واحتواء أي تصعيد محتمل.
ويبين أن فشل الاحتواء قد يؤدي إلى تصعيد متبادل، وضربات متبادلة، وتوسيع رقعة التوتر، وربما تدخل أطراف متعددة، وهو ما قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية مفتوحة.
ويرى الساعدي أن ما يجري ليس حربا مفتوحة، بل إدارة دقيقة لحافة الحرب، أثبتت فيها إيران قدرتها على الضرب بدقة، وإسرائيل تدرس ردها بحذر، بينما العالم يراقب بقلق، والخطأ الوحيد قد يكون كافيا لإسقاط الجميع في دوامة التصعيد.