تعيش أسواق قطاع غزة حالة ركود واسعة مع اقتراب عيد الأضحى، مع استمرار الحصار وتداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية، التي ألقت بثقلها على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وأضعفت القدرة الشرائية للمواطنين، ما دفع كثيرًا من الأسر إلى تقليص إنفاقها على مستلزمات العيد والتركيز على الاحتياجات الأساسية.
وعلى الرغم من محاولات التجار وأصحاب المحال التجارية لتنشيط الحركة الشرائية عبر تقديم عروض وتخفيضات لتعويض جزء من خسائرهم المتراكمة، فإن الإقبال ما يزال محدودًا للغاية، في وقت باتت فيه الأسواق تفتقد لأجواء المواسم والأعياد التي كانت تحركها في الأعوام السابقة.
ويقول البائع أدهم نجم، الذي يعمل في بيع الأحذية بمختلف أصنافها للأطفال والنساء والرجال، إن الأسعار لم تعد في متناول غالبية المواطنين، موضحًا أنها تبدأ من 60 شيكلًا، وقد تصل إلى 100 و120 وحتى 150 شيكلًا للحذاء الواحد.
تكاليف التنسيق
وأوضح نجم لصحيفة "فلسطين" أن ارتفاع الأسعار يعود بشكل أساسي إلى تكاليف "التنسيق" المرتفعة، مشيرًا إلى أنه يدفع مبالغ طائلة على كل شحنة يتم إدخالها إلى القطاع، قد تصل إلى نحو 100 ألف شيكل، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار البيع للمستهلكين.
وأضاف أن الحركة الشرائية لا تزال ضعيفة رغم اقتراب العيد، في ظل توجه المواطنين لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء بدلًا من شراء الملابس والأحذية أو مستلزمات العيد الأخرى.
وبيّن أن كثيرًا من الأسر تعتمد على الملابس والأحذية المتبقية من الأعوام الماضية، أو على ما تحصل عليه من مساعدات و"كسوة" مقدمة من المؤسسات الإغاثية، ما ساهم في تراجع الإقبال على الأسواق هذا العام.
من جهته، أكد طلال العصار، صاحب متجر لبيع الملابس النسائية، أن الإقبال ما يزال محدودًا، لافتًا إلى أن كثيرًا من النساء يفضّلن إعطاء الأولوية لأطفالهن عند شراء الملابس في هذا الموسم.
وأشار العصار إلى أن المواطنين بحاجة فعلية لاقتناء الملابس، إلا أن الظروف الاقتصادية القاسية وضعف الإمكانات المادية يحولان دون ذلك، مضيفًا أن إدخال البضائع إلى قطاع غزة بات محدودًا للغاية بسبب ارتفاع تكاليف التوريد، إلى جانب مخاوف التجار من تكبد خسائر إضافية نتيجة استمرار التوترات الأمنية واحتمال تلف البضائع أو إتلافها.
غياب الدخل
بدوره، قال المواطن أبو خالد المسلمي إن غياب مصادر الدخل لدى شريحة واسعة من الأسر أثّر بشكل مباشر على الحياة الاجتماعية، ودفع كثيرين إلى التخلي عن عادات ارتبطت تاريخيًا بالأفراح والأتراح والأعياد.
وأضاف لـ"فلسطين" أن المجاملات الاجتماعية باتت تقتصر على نطاق ضيق، بسبب عدم قدرة العائلات على تحمل الأعباء المالية المترتبة عليها، في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية المتدهورة.
ودعا المسلمي المؤسسات الدولية والإنسانية والإغاثية إلى توسيع تدخلاتها الإنسانية، في ظل ضعف مصادر الدخل وغياب الاستقرار الاقتصادي، مؤكدًا ضرورة توزيع المساعدات بطرق شفافة وعادلة تضمن وصولها إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
من جانبه، قال رجل الاقتصاد علي الحايك إن الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة "تزداد سوءًا"، مشيرًا إلى أن المواطنين كانوا يأملون بتحسن تدريجي عقب وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع جاء أكثر تعقيدًا، مع استمرار حالة "الخنق الاقتصادي" التي يعيشها القطاع.
وأوضح الحايك لـ"فلسطين" أن ما يدخل إلى غزة من سلع ومساعدات لا يلبّي الحد الأدنى من احتياجات السكان، مضيفًا أن المناسبات الدينية والوطنية، وحتى الأعياد، لم تعد قادرة على تحريك الأسواق كما في السابق.
تأمين الطعام والشراب
وأشار إلى أن الأولوية لدى المواطنين أصبحت تأمين الطعام والشراب، في ظل نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، ما جعل شراء الملابس أو مستلزمات العيد يُصنّف ضمن الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها.
وأضاف أن الأزمة الاقتصادية تتفاقم بفعل عدة عوامل، أبرزها نقص السيولة النقدية، وتأخر صرف الرواتب أو انقطاعها، وانتشار العملة التالفة، وتراجع حجم المساعدات، إلى جانب الحاجة الهائلة لإعادة الإعمار، واستمرار معاناة السكان من النزوح وفقدان المأوى والعيش في الخيام.
وبحسب بيانات البنك الدولي، تجاوز معدل الفقر في قطاع غزة 80% بعد الحرب، فيما تشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن معدلات البطالة تراوحت بين 50% و60% نتيجة توقف قطاعات واسعة عن العمل وانكماش النشاط الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، أفاد برنامج الأغذية العالمي بأن أكثر من 90% من سكان القطاع يعانون من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من وصول شرائح واسعة إلى مراحل "الجوع الطارئ" خلال فترات متعاقبة من الحرب.
كما تشير تقارير إنسانية إلى تدهور حاد في السيولة النقدية داخل القطاع، حيث يعاني الاقتصاد من شح كبير في النقد المتداول، تجاوز 70% من الاحتياجات الفعلية، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية وتعطل جزئي في المعاملات المالية اليومية.
وفيما يتعلق بالاقتصاد العام، أظهرت تقديرات البنك الدولي أن اقتصاد غزة انكمش بأكثر من 80% خلال الحرب، في مؤشر يعكس حجم الانهيار الذي أصاب القطاعات الإنتاجية والتجارية، وتوقف آلاف المنشآت عن العمل بشكل كلي أو جزئي.