فلسطين أون لاين

حرب بلا حسم ...

تحليل خبيران: إيران تفرض معادلة استنزاف تحبط رهانات واشنطن و "تلَّ أبيب"

...
صورة من الأرشيف
غزة- بيروت/ علي البطة:

مع دخول الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران أسبوعها الثالث، تتكرس ملامح صراع طويل يتجاوز الحسابات التقليدية للحسم العسكري السريع. فالميدان لم يعد محكوما بضربة قاضية، بل بتراكم الضغوط وتآكل القدرات، في ظل تصاعد المواجهة واتساع رقعة الاشتباك إقليميا.

الأهداف التي رفعتها واشنطن وتل أبيب مع بداية الحرب في الثامن والعشرين من فبراير الفائت، وعلى رأسها شل القدرات العسكرية الإيرانية وإحداث تغيير جذري في بنية النظام، تبدو اليوم بعيدة التحقق. في المقابل، تبرز إيران كطرف قادر على امتصاص الضربات وإعادة توجيه الصراع نحو مسار يخدم استراتيجيتها بعيدة المدى.

طالع المزيد: من الخليج إلى الاقتصاد العالمي… تداعيات متسعة للحرب على إيران
 

فشل الحسم وتبدد الأهداف

يشير العميد المتقاعد ناجي ملاعب إلى أن الحرب لم تحقق أهدافها الأساسية حتى الآن، خصوصا ما يتعلق بإسقاط النظام الإيراني أو إنهاء قدراته العسكرية، ويؤكد أن استمرار طهران في الرد يعكس تماسكا واضحا، ما يمنحها أفضلية في معركة الزمن والاستنزاف.

ويوضح أن تعدد الجبهات، خاصة مع دخول حزب الله، أدى إلى تشتيت الجهد العسكري الإسرائيلي، مشيرا إلى أن هذا التوسع في مسار العمليات فرض واقعا ميدانيا جديدا، حيث لم تعد أي جبهة قادرة على حسم المواجهة بشكل منفرد.

E-wChxqXIAMzbTj.jpg
العميد المتقاعد ناجي ملاعب

ويؤكد ملاعب لصحيفة "فلسطين" أن استخدام الصواريخ والمسيرات بكثافة لعب دورا محوريا في استنزاف منظومات الدفاع الجوي، رغم ما تعرضت له البنية العسكرية الإيرانية من ضربات، هذا التوازن في القدرة على الرد يحد من فعالية التفوق الجوي الإسرائيلي.

كما يشير إلى أن استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، رغم السيطرة الجوية للاحتلال الإسرائيلي، يحمل دلالات استراتيجية مهمة، إذ يعكس قدرة حزب الله على الحفاظ على جاهزيته القتالية وفرض ضغط متواصل على الجبهة الشمالية.

تآكل الردع

ويلفت ملاعب إلى أن الدعم الأمريكي المتزايد، سواء عبر نشر المدمرات أو تعزيز الحضور البحري، يعكس مخاوف حقيقية من استنزاف مخزون الصواريخ الدفاعية لدى كيان الاحتلال، ما يدل على حجم الضغط الذي تواجهه إسرائيل في هذه المرحلة.

ويرى أن ميزان القوى لم ينكسر، لكنه دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، حيث لم يعد الحسم ممكنا بالوسائل التقليدية. هذا الواقع يفرض على جميع الأطراف إعادة حساباتها في ضوء حرب طويلة الأمد.

ويضيف أن أي محاولة للاحتلال الإسرائيلي لفتح جبهة برية، خصوصا في لبنان، ستواجه تحديات كبيرة، نظرا لطبيعة الأرض والاستعدادات الميدانية لحزب الله، ما يجعل هذا الخيار محفوفا بالمخاطر والتكلفة العالية.

ويؤكد أن استمرار الحرب دون تحقيق أهداف واضحة قد يؤدي إلى استنزاف طويل يفرض ضغوطا سياسية واقتصادية متزايدة، ما قد ينعكس على قرارات التصعيد أو التهدئة في المراحل المقبلة.

طالع المزيد: تحويل مليارات للإنفاق العسكري يفاقم الضغوط على الاقتصاد الإسرائيلي

ويرى ملاعب أن المواجهة دخلت فعليا في مرحلة "النفس الطويل"، حيث تصبح القدرة على الصمود وتحمل الخسائر عاملا حاسما في تحديد مسار النتائج النهائية.

استراتيجية الاستنزاف

ويرى علي ناصر الخبير العسكري العراقي، أن إيران نجحت في نقل المعركة من مواجهة مباشرة إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، ما أربك خصومها وفرض واقعا عملياتيا جديدا قائما على توزيع الضغط بدل تركيزه.

ويشير إلى أن هذا النهج جعل من الصعب تحقيق اختراق حاسم، حيث تحولت الجبهات إلى شبكة مترابطة من النيران، ما يعقد الحسابات العسكرية ويزيد من كلفة أي عملية هجومية واسعة.

ويؤكد ناصر لـ"فلسطين" أن دخول حزب الله على خط المواجهة منح إيران عمقا استراتيجيا إضافيا، إذ ساهم في تخفيف الضغط عن الجبهة الإيرانية وفرض على إسرائيل إعادة توزيع قواتها ومواردها.

كما يوضح أن الصواريخ والمسيّرات الإيرانية أحدثت إرباكا واضحا في منظومات الدفاع، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضا من حيث الكلفة الاقتصادية المرتفعة لاعتراضها. ويرى أن هذه المعادلة الاقتصادية تمثل أحد أبرز عناصر القوة الإيرانية، حيث يتم استنزاف الخصم بوسائل منخفضة الكلفة مقابل أنظمة دفاعية باهظة الثمن.

ويشير إلى أن استمرار الضغط على أنظمة الدفاع الجوي لقوى العدوان الصهيوأمريكي قد يؤدي إلى تراجع فعاليتها مع الوقت، ما يفتح المجال أمام تحقيق إصابات أكثر تأثيرا في العمق.

خيارات طهران

ويؤكد أن تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية يعزز من قدرتها على مواصلة الحرب، خصوصا في ظل اعتمادها على استراتيجية مرنة تقوم على اللامركزية في اتخاذ القرار. لافتا إلى أن إيران لا تستخدم كامل قدراتها دفعة واحدة، بل تعتمد على مبدأ التدرج في التصعيد، ما يمنحها القدرة على التحكم بإيقاع المعركة وفق تطورات الميدان.

ويرى ناصر أن وجود جبهات لم تفتح بعد يمثل ورقة ضغط استراتيجية، يمكن استخدامها في حال تصاعد التهديد، ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.

ويتوقع أن الساحة اللبنانية مرشحة للتحول إلى نقطة استنزاف رئيسية في حال تطور العمليات البرية، ما سيشكل تحديا كبيرا لأي تقدم عسكري.

طالع المزيد: باحث إسرائيلي: الإيرانيون لن يوقفوا الحرب ويريدون تصميم واقع اليوم التالي

ويؤكد الخبير العراقي أن تآكل صورة الردع التقليدي للإسرائيلي والأمريكي يمثل تحولا استراتيجيا مهما، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لفرض نتائج حاسمة على الأرض.

ويعتقد ناصر أن الحرب دخلت مرحلة مفتوحة على جميع الاحتمالات، حيث يتداخل العسكري بالسياسي، ما يجعل من الصعب التنبؤ بمسارها أو توقيت نهايتها.

المصدر / فلسطين أون لاين