فلسطين أون لاين

تقرير أربع طفلات وصورة معلّقة... آلاء العرابيد تعيش العيد وحدها

...
شهداء من عائلة العرابيد
غزة/ يحيى اليعقوبي

داخل خيمةٍ متواضعة في أحد مخيمات الإيواء بمدينة غزة، يتدلّى حبلٌ صغير يحمل صور أربع طفلات ووالدهنّ. صورٌ تبتسم للحياة، في حين تجلس أمّهن آلاء  العرابيد وحيدة في العيد، تحاصرها الذكريات من كل زاوية، وتؤنسها وجوهٌ لم تعد حاضرة إلا في الصور.

في الخارج، يمرّ أطفال المخيم لمعايدتها، ويأتي أبناء إخوتها ليكسروا صمت الخيمة، لكن الفراغ الذي تركته بناتها الأربع وزوجها الشهيد لا يملؤه أحد.

مضت الأيام والشهور لكنها لا زالت تعيش على ذكريات ما قبل يوم 17 رمضان من عام 2025، وفيه آخر إفطار جمعهم، وآخر جمعة امتلأت بالضحك والكلام الجميل، "لم أدرك أن تلك اللحظات كانت وداعًا أخيرًا، وأن الكلمات التي سمعتها منهن كانت أشبه بوصايا" هذا ما أدركته الأم لاحقا.

في اليوم التالي، خرجت مع بناتها، اشتروا الألعاب والمشروبات الباردة، وكانوا يركضون أمامها بفرح طفولي بسيط، كما يركض أبناء الجيران والأقارب أمامها، في لحظات تستحضر ذلك اليوم الذي كانت فيه صغيراتها يركضن مثلا فراشات.

تخرج الكلمات من جرح غائر وقلب مثقل، تروي لـ "فلسطين أون لاين" عن آخر يوم: "عدت إلى المنزل، وصنعت القهوة، دون أن أعلم أن تلك التفاصيل الصغيرة ستصبح لاحقًا أثمن ما أملك من ذكريات".

غفت الصغيرات، ونامت العائلة على أحلام جديدة، لكن أصوات انفجارات دوى صداها بكثافة في قطاع غزة، غير كل شيء في المشهد هنا ايضا، فجر الثامن عشر من مارس 2025.

اقرأ أيضًا: العيد في غزة.. طفولة عالقة بين الخيام والركام

تحكي الأم عن لحظة الاستهداف بصوتٍ يختلط فيه الذهول بالألم: "ستة صواريخ ضربت المكان قرابة الساعة الثانية والربع فجرا، وجدت نفسي بين الحياة والموت، نصف جسدي ممد  على فرشة ونصفه على الأرض، مصابة بجروحٍ بالغة، وبُترت أصابع من يدي".

لم تكن تأبه بإصابتها، كلما استيقظت تسأل بلا توقف : "كيف بناتي؟ كيف محمود؟".

كانت العرابيد في حالة غيبوبة بعد قصف منزلهم مما أدى لاستشهاد صغيراتها الأربع وزوجها ونجاتها بعد سقوطها من الطابق الخامس على فرشة سقطت قبلها ، وبينما كانت غائبة عن الوعي، دُفن زوجها وبناتها الأربع، بعد أن ظنّ المسعفون في البداية أن الجثة السادسة الموجودة  بينهم التي وجدوها تعود لها، وفي لحظات كانت عائلتها تعزي نفسها باستشهادها معهم، أخبرهم احد الممرضين بوجود مصابة داخل العناية، وكانت هي".

5911090123313450097.jpg

استيقظت بعد خمسة أيام، وأول ما نطقت به عندما تفتحت عيناها كوردة ذابلة: "جيبولي بنات، بدي أسمع صوتهم". لكنها سرعان ما أدركت الحقيقة.

مع عدم وجود رد من والدها أمام سؤالها المتكرر، أدركت حدوث شيء، فقالت له: "انت عارف إني متعلقة ببناتي، وبقدرش أعيش بدونهن، فلو صار شيء احكيلي".

رغم محاولته تاخير الخبر، وجد والدها نفسه أمام إعلان الحفيقة:  "بعرفك صابرة ومؤمنة، ادعيلهم بالرحمة".

- كلهن استشهدوا؟.

"استشهدوا كلهم مع والدهم. بعرفك صابرة محتسبة"،  تقول إن:  لحظة معرفتها لم تكن صاخبة كما يُتوقع، بل سادها هدوء غريب، كأنها سكينة مفاجئة هبطت على قلبها المنهك".

بعد الاستهداف، بدأت رحلة نزوحٍ قاسية، تنقّلت خلالها 12 مرة داخل شمال غزة، تواجه القصف والجوع والعطش.

ورغم كل شيء، لا تزال تفاصيل بناتها حيّة في ذاكرتها، وكأنهن لم يغبن، تعلق وهي تلتفت لحبل الزينة وصور بناتها: "كل يوم استيقظ أنظر إلى صورهن، أتأمل ملامحن وضحكاتهن وذكرياتهن بدقة".

لكل طفلة شهيدة حلم وطموح كبير كانوا يسعين لتحقيقه، مها (13 عامًا)، الابنة البكر، كانت تُلقّب بـ"الدكتورة مها" لتفوقها، قبل أن تفاجئ والدتها بحلمٍ جديد: أن تصبح مضيفة طيران "لتبقى في السماء".

ميرا (10 أعوام)، كانت "المهندسة الصغيرة"، تعيد ترتيب ألعابها كأنها تبني مدينة، وتزرع الفرح في كل مكان.

جوانا (6 أعوام)، صاحبة الشخصية القوية والكاريزما اللافتة، التي "تدخل القلب من أول لقاء"، استشهدت في اليوم الذي صادف عيد ميلادها.

ليان (3 أعوام)، "الملاك"، التي لم تمهلها الحياة طويلًا، وبقيت صورتها في ذاكرة الجميع رمزًا للبراءة.

تصف وجودهن  أنه  كان "دواءً حقيقيًا"، وأن كلماتهن الأخيرة ما زالت تمنحها القوة لتستمر. تعيش اليوم على الصور ومقاطع الفيديو، تفتحها يوميًا، تستعيد الضحكات، وتتمسك بكل تفصيلة صغيرة.

"أربع نجمات"، هكذا تصفهن. في داخل الخيمة بقيت آلاء العرابيد شاهدة على حكاية فقد ثقيل، تتأجج ناره في أيام العيد، حرمت من كل فرحة، ومن رؤيتهن يرتدين ملابس العيد، فيما اكتفت بالمشاهدة عن بعد للأطفال وهن يرتدين الملابس، ومن عيون وضحكات الصغار كانت صورة فرح تتحرك في ذاكرتها.

المصدر / فلسطين أون لاين