فلسطين أون لاين

رحلة شاقة لمعايدة الأقارب لتباعد المسافات وصعوبة وسائل النقل

تقرير رغم الفقد والنزوح أهل غزة يتمسكون بفرحة العيد

...
أهالي غزة يؤدون صلاة العيد بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية
غزة/ يحيى اليعقوبي

بعيدًا عن أصوات القصف، وصور المجازر والجثامين المتراصة داخل المستشفيات خلال عيدي الفطر اللذين مرا على قطاع غزة خلال الحرب، حل عيد الفطر بعد فترة تهدئة ووقف إطلاق النار، ما مكن الأهالي من الصلاة بالمصليات المقامة بجانب المساجد المدمرة، التي بلغ عددها 1050 مسجدًا دمرها الاحتلال تدميرًا كليًا و200 مسجد دُمرت تدميرًا جزئيًا.

في صورة غائبة عن غزة من عامين، خرج الأهالي لأول مرة للصلاة في العراء، ارتدى الأطفال ملابس جديدة، وامتلأت الشوارع بالناس، لكن لم يعد المشهد كما كان، فالشوارع والبيوت المدمرة حاضرة في خلفية أي مشهد يمكن التقاطه للعيد، وبالرغم من مرارة الصورة العامة طغى جمال الأطفال بملابسهم الجميلة على تلك الصورة، ليثبت أهل القطاع مجددًا، بعدما امتلأت المصليات والشوارع المحيطة بها بالمصلين من جميع الأعمار، إصرارا كبيرا على التمسك بالحياة، وتجديد الروابط الاجتماعية، ونشر المحبة والتسامح، وإظهار الفرح تتويجا للصبر على الصوم.

تكبيرات العيد

صدحت مآذن المساجد من تحت الركام، بتكبيرات العيد كما صدحت حناجر أهالي القطاع، لبس الأطفال الجديد وزينوا بها الشوارع المدمرة، وامتلأت الموائد بالحلوى والكعك والمعمول التي عادت لتزيينها بعد غياب دام عامين، وأعادت غزة من رحم المعاناة شيئًا من عاداتها وتقاليدها، واكتمل جمال المشهد بتوزيع "العيدية" وصلة الأرحام والتزاور بين العائلات بالرغم من بعد المسافات وتشتت العائلات النازحة بين الخيام ومدن القطاع ما جعل صلة الرحم أمرًا مرهقًا في ظل ارتفاع تكاليف المواصلات وبعد المسافات وعدم توفر وسائل نقل مريحة، إلا أن ذلك لم يقف عائقًا أمام شوق الأخوة والأقارب لتهنئة بعضهم في يوم العيد.

5911090123313450090.jpg

توجهت مع أخوتي ووالدي المسن، لزيارة أخواتي وبناتهن، لم يكن الحصول على سيارة أمرًا سهلاً، انطلقنا الساعة الثانية عشرة ظهرًا وعدنا إلى بيتنا في أول جولة عند الثامنة مساءً.

بدأت الجولة بزيارة أختي التي تسكن بحي الشيخ رضوان، والوصول إليها يتطلب المرور بشوارع ضيقة تغلقها البيوت المهدمة على جانبي الطريق، الناس كانوا يحاولون الحياة فيما تبقى من بيوت، وبينما كان مشهد الدمار يشد انتباهنا لأحد البيوت المهددة بالانهيار نزل أشخاص وعلى ما يبدو كانوا يزورون شقيقتهم التي تسكن في إحدى غرف المنزل. كانت جدران الطابق الأرضي المدمرة مكشوفة، وبعض أعمدة المنزل مدمرة، حتى أنك تشاهد من يصعد بيت الدرج إلى أن يصل للغرفة التي تغطى بالشوادر.

تطلب التنقل بين بيوت الأقارب داخل مدينة غزة، ركوب عدة سيارات تجر عربات خلفها يطلق عليها شعبيا اسم "عجلاة" والركوب في هذا الصندوق يسبب اهتزازا كبيرا للركاب نتيجة تدمير الشوارع ما يرهقك وأنت جالس، وبعض البيوت في الشوارع الفرعية وصلناها مشيًا بسبب عدم وجود وسيلة نقل إليها، نتيجة الضغط على المفترقات التي كانت تعج بالناس الذين يريدون ركوب سيارات واستكمال طريقهم نحو صلة الرحم والمعايدة، اذ امتلأت الشوارع بالأهالي وهم يتزاورون ويتنقلون بين منازل الأقارب في مشهد يظهر إرادة تصنع الفرح.

في اليوم الثاني توجهنا نحو خان يونس لمعايدة والدة زوجتي، استغرقت طريق الذهاب نحو ساعتين أما طريق العودة فبلغت أربع ساعات ونصف، بسبب الأمطار وصعوبة إيجاد وسيلة نقل، إلى أن وجدنا سيارة تجر "عجلاة" مغطاة بالشادر دخلناها وكأنك تدخل سجنًا معتمًا، بعدما حل الظلام واشتد الريح، فطلب الركاب من السائق اغلاق باب الصندوق ليتكمل المشهد المعتم ولم نعد نعرف محطات وصول السيارة التي تعطلت بالطريق عدة مرات، في إحدى المرات سقط عادم السيارة وأكملت طريقها حتى وصلنا غزة الساعة التاسعة مساءً.

ما عشناه في تفاصيل زيارات الأرحام عاشه معظم الناس في غزة، إذ كانت عملية التزاور مليئة بالمعاناة والألم، لكن الشوق لرؤية الأقارب وصلة الأرحام بعيدا عن القصف هون علينا كل ذلك، وحاولنا الفرح رغم مرارة الواقع، كما حاولنا إسعاد أطفالنا بإلباسهم ملابس جديدة.

 مشاهد من صلاة العيد

خلال صلاة العيد بمسجد أبي أيوب الأنصاري بمدينة غزة، كان الفرح مرسوما على وجوه الأطفال الذين توافدوا بأعداد كبيرة مع إعلان إدارة المسجد عن نيتهم توزيع هدايا "العيد"، كان محمد عريف يجلس على سجادة صلاة خارج مصلى المسجد بعد امتلائه.

ويقول عريف لـ "فلسطين أون لاين": "جاء العيد بعد حالات نزوح متكررة ووقف إطلاق نار، ونحاول الفرح فيه، لأن العيد السابق عشناه في نزوح وكانت الأمور صعبة. أجمل ما في العيد أن الأطفال اشتروا الملابس وانتظروا يوم العيد بفارغ الصبر لعيشوا هذه الأجواء الجميلة".

5911090123313450093.jpg

وفيما يطل على ركام المنزل المدمر، يستذكر مشاهد العيد قبل الحرب وفي صوته نبرة حنين وحزن قائلا: "كان لدينا مساجد وبيوت، فنذهب للصلاة فيها، لكن بعد تدميرها من الاحتلال اليوم نصلي بالشارع وهذا يؤلم القلب".

نزح عريف من بيت حانون مع اندلاع الحرب، واستقبل الأعياد في أماكن مختلفة، وبالرغم من الفرح باستقباله يرى أن "العيد يفتح أوجاعا كبيرة" لكل من فقد.

وهذا ما يعيشه رامي أبو العطا الذي يستقبل عيده الثاني بلا أبنائه الثلاثة الذين استشهدوا قبل عيد الفطر السابق بعشرين يوما، فجاء العيد حزينا، فرغم قدومه للمسجد ومشاركة المصلين فرحتهم، وتهنئة الجيران والأقارب الجدد في رحلة النزوح بالعيد، إلا أن ذكرياته مع أبنائه الشهداء، وكيف كان يصطحبهم معه لزيارة الأقارب "أمر لا يمكن نسيانه".

بقلب صابر يقول أبو العطا لـ "فلسطين أون لاين": "هذه أجواء عبادة وتقرب إلى الله، وإحياء لشعائر ديننا. العيد الماضي مرَّ صعبا، بعد عشرين يوما من استشهاد ثلاثة من أبنائي: وديع (18 عامًا)، دانيا (21 عامًا)، وبتول (23 عامًا)".

وأدت الحرب ونزوح العائلات إلى تشتتها، بحيث يتطلب من العائلات قطع مسافات طويلة لزيارة الأرحام بسبب بعد المسافات، وهذا ما يعيشه أبو العطا وهو نازح من حي الشجاعية لمنطقة غرب مدينة غزة قائلا: "كنا نصلي صلاة العيد ونخرج لزيارة الأخوات والعمات والخالات، والأهل والأقارب، وكنا في أماكن متقاربة، الآن كل واحد في منطقة بعضهم لا نعرف أين مكان نزوحهم، فجزء منهم بشمال غزة وآخر بمدينة غزة وجزء لا يزالون نازحين في جنوب القطاع".

وأضاف بحسرة: "الحرب شتتتنا، فكانت معنا سيارة تساعدنا على صلة الرحم، الآن السيارة دمرت ولا يوجد وقود وإن توفر فإنه مكلف جدا".

وليس بعد المسافات الأمر الوحيد الذي يؤثر على زيارات الأرحام، فالعيش في خيمة صغيرة غير مناسب لاستقبال الضيوف، ويتابع وهو يقارن الحال سابقا بحاله اليوم: "في السابق كنت تجلس الضيوف في غرفة ضيافة ونزين الطاولة بالحلوى والمسليات والعصائر ابتهاجا بالعيد، اليوم حاولنا صناعة الكعك وتوزيعه عن أرواح أبنائي الشهداء، والخيمة ضيقة وهي مكان غير مناسب لاستقبال الضيوف".

اقرأ أيضًا: ارتفاع أسعار الفسيخ يحرم الغزيين طقسهم التقليدي

في إحدى زوايا المسجد كان محمد عاشور يراقب فرحة الأطفال وهم يخرجون من المسجد محملين بأكياس هدايا، ويحكي لـ "فلسطين أون لاين" بملامح تعلوها ابتسامة فرح: "رؤية الأطفال سعداء أمر يفرح القلب، العيد بحد ذاته هو ثمرة الصيام والجهد الذي بذلناه في الصوم، خاصة أن الطعام لم يكن بمتناول الجميع وكان يحتاج لجهد كبير لتوفير قوت اليوم، والاستقرار غير موجود لأننا نازحون وفقدنا منازلنا، وتناقص الأقارب ورحل بعضهم".

ويؤكد خطيب صلاة العيد بالمسجد محمد الشرفا بأن العيد يوم عظيم من أيام الله، وهو يوم فرح للمسلمين، فيقول النبي: "للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، فالفرح عبادة ومطلوب إظهاره في هذا اليوم".

وعن فقرات الهدايا والإنشاد والترفيه للأطفال بإحضار دمى بعد صلاة العيد قال: "بعد الحرب وما شهده الأطفال في هذه الحرب، لا بد أن ننفس عنهم بعض الهموم التي تسكن في داخلهم، والهدف إدخال الفرحة على قلوبهم".

المصدر / فلسطين أون لاين