فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ

﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ القصص85

في صوتٍ واحدٍ يصدح من أعماق وجدان أهلنا، تتجلى الأمنية الخالدة: العودة إلى بيوتنا المدمرة، رغم أن الركام صار هو السقف والباب، وأن دماء الشهداء تروّت تراب الأرض التي لا تزال تحنّ لهم، فكل محاولة عبور حاجز أو استعادة وطن تنثر شهداء على الطريق، لا يستسلمون للخيام الباردة ولا لأمان الوهم، بل يختارون بقايا البيوت رغم أنف الألم، يغسلونها بدموعهم ويرتدون جراحهم كسوار عزّ، لأن الحزن ليس على حجارة صمتت، بل على لحظات الطمأنينة التي احتضنت ذكريات أولادهم، وجلسات السمر مع الأحبة الذين صاروا صورًا محفورة في القلب، على أعتاب تلك الغرف التي شهدت فرح الحفيد الأول، وحكايات الصبر والعمل، فلا تنكسر الروح أمام ركام المسكن، فالأوطان تُسكن القلوب قبل الأرض، وذكرياتنا رُقعٌ تضيء دروب الغربة، والعودة حق لا يُمحى، وعدٌ ينتظر فجرًا جديدًا يكتب نهاية الغربة والتهجير، كما علمنا رسول الله ﷺ حُبّ مكة ووعد النصر والرجوع، فبيوتنا ليست حجارة فحسب، بل نبض حياة سنحملها في صدورنا، وسنعود إليها صامدين، إلى القدس وعسقلان، فالصبح قريب لا محالة.

في سؤال متكرر لأهلنا الذين أُجبروا تهجيرًا من بيوتهم أو إلى مصر عن الأمنية، يقولون بلسان جمعي غير متلعثم: "العودة إلى بيتنا"، ونحن نعلم أنه ركام وكومة حجارة. وكم من شهداء في كل مرة كانت هناك محاولات عودة، من شباب حاولوا تجاوز حاجز الخطالأصفر، وكان في كل مرة يقع فيها اجتياح لمنطقة ويُهجر أهلها إلى منطقة أخرى داخل غزة وشمالها، يعدّون بالساعة والدقيقة اللحظة التي يعودون فيها إلى ركام بيتهم.

وكم شهيد وجريح استُشهد حين عاد أو في طريق عودته إلى بيته، وحين يُعرض على أصحاب البيوت المدمرة خيمة نزوح في مركز إيواء، لا تكاد تجد أحدًا يقبل بذلك، وكثيرون ينظفون بيوتهم، ويختارون المكان الأقل تضررًا، ويسترون بقماش أو ما تيسر ما تبقى من بيوتهم المدمرة.

الحزن الذي يسكن قلوبنا على بيوتنا المدمرة ليس حزنًا على حجارة تحطمت أو مكان فقدناه، وإنما على سكنٍ وطمأنينة وشعور أمان وذكريات امتدت لعمرنا، لازمتنا في تفاصيل حياتنا؛ فهنا جلسنا مع أولادنا الشهداء، وهناك تسامرنا مع أصدقائنا وأقاربنا وجيراننا الشهداء، الذين كانوا في زيارتنا واليوم هم مجموعة صور في الذاكرة، وفي هذه الغرفة احتفلنا بالحفيد الأول، وفي المكتب سنوات وساعات متواصلة مع كل قصاصة ورق وكتاب وجهاز كمبيوتر.

إنها ليست مجرد حجارة وأثاث، بل مجموعة أماني وأحلام وذكريات، ركامها أوطان، بيوتنا أوطان نسكنها وتسكننا، وترحل معنا في حلّنا وترحالنا، وأماني العودة لها ولو كومة حجارة تسكن أرواحنا، في ظل حجارتها وعلى بقايا قطعة قماش، ومنها نرحل إلى الجنة، (يا غزة، يا الجنة).

والنبي ﷺ يعلمنا بحزنه حين غادر بيته ومدينته، فقد التفت إليها حزينًا مخاطبًا: "والله يا مكة، إنك أحب أرض الله إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت". والنبي ﷺ قاتل ليعود إلى بيته وإلى وطنه.

هذه بيوتنا ومنازلنا ومساكننا أوطانٌ تسكننا ونسكنها، وسنعود لها قريبًا، وسنعود إلى القدس وعسقلان حتمًا، "أليس الصبح بقريب؟".

المصدر / فلسطين أون لاين