تتصاعد النقاشات السياسية حول الدور المحتمل للقوة الدولية المزمع نشرها في قطاع غزة خلال الأشهر المقبلة، وسط تساؤلات حول قدرتها على تحقيق الاستقرار وحماية المدنيين، في ظل تقديرات تشير إلى أن هذه القوة قد تكون جزءًا من ترتيبات سياسية وأمنية أوسع لإدارة المرحلة الانتقالية بعد الحرب.
تشير تقارير وتسريبات سياسية إلى استعداد سلطات الاحتلال لبدء نشر قوة دولية في قطاع غزة اعتبارًا من شهر مايو/أيار المقبل، ضمن ترتيبات المرحلة التالية من الخطة الأميركية لإدارة القطاع بعد الحرب، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وبحسب المعطيات المتداولة، من المتوقع أن تضم القوة نحو خمسة آلاف جندي، معظمهم من إندونيسيا إلى جانب قوات من دول أخرى، على أن تبدأ مهامها في مناطق محددة جنوب القطاع قبل توسيع نطاق انتشارها تدريجيًا. وتشير التقارير إلى أن مئات الجنود سيخضعون لتدريبات تمهيدية في الأردن قبل دخولهم إلى غزة.
ورغم تقديم هذه القوة رسميًا باعتبارها جزءًا من ترتيبات "الاستقرار" في مرحلة ما بعد الحرب، فإن محللين سياسيين يرون أن دورها الفعلي قد يكون محدودًا، وقد يندرج ضمن ترتيبات سياسية وأمنية أوسع في القطاع.
سياقات إقليمية وسياسية
يرى الكاتب والمحلل السياسي صالح لطفي أن تقييم فكرة نشر قوة دولية في غزة يجب أن يتم ضمن ثلاثة سياقات رئيسية، أولها السياق الدولي المرتبط بالتطورات الإقليمية والتوترات التي تشهدها المنطقة.
ويشير لطفي إلى أن استمرار هذه التوترات قد يعقّد تنفيذ خطة نشر القوة في الموعد المعلن، خاصة إذا توسعت دائرة الصراع الإقليمي.

الكاتب والمحلل السياسي، صالح لطفي
أما السياق الثاني فيتعلق بطبيعة العلاقة بين إسرائيل وقطاع غزة بعد الحرب، إذ يرى أن هذه العلاقة باتت مرتبطة بمفاهيم الأمن المجتمعي والسياسي داخل إسرائيل، رغم حجم الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية المدنية في القطاع.
ويعتقد لطفي أن نشر القوة الدولية قد يخدم، من المنظور الإسرائيلي، أهدافًا سياسية وأمنية من خلال إعادة ترتيب المشهد في غزة بما يحقق قدرًا من الاستقرار الذي يتوافق مع المصالح الإسرائيلية في المرحلة المقبلة، في ظل قيادة رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
كما يطرح تساؤلات حول كيفية تعامل هذه القوة مع البيئة الإقليمية المحيطة بالقطاع، سواء على صعيد العلاقة مع الدول المجاورة أو مع المجتمع المحلي في غزة، الذي يعيش واقعًا إنسانيًا واجتماعيًا شديد التعقيد بعد الحرب.
تحديات الواقع الداخلي
ويشير لطفي إلى أن المجتمع في غزة يحتاج إلى منظومة شاملة لإعادة بناء المؤسسات المدنية والاجتماعية، متسائلًا عن طبيعة العلاقة التي قد تنشأ بين القوة الدولية والفصائل الفلسطينية والعشائر والمجتمع المحلي.
ويرى أن طرح فكرة نشر هذه القوة في هذا التوقيت قد يرتبط أيضًا باعتبارات داخلية في إسرائيل، في ظل حالة الارتباك السياسي التي يعيشها اليمين الإسرائيلي.
ويضيف أن فكرة القوة الدولية قد تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية أوسع، في وقت يشهد فيه النظام القانوني الدولي تراجعًا ملحوظًا منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر، في ظل اتهامات بعدم التزام إسرائيل بقرارات المؤسسات الدولية.
ويؤكد أن أي تفويض قانوني لهذه القوة سيبقى مرتبطًا بدور الولايات المتحدة والموقف العربي، معتبرًا أن التعويل عليها لحماية المدنيين أو منع الانتهاكات قد يكون محدودًا.
تشكيك في الدور الفعلي
من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي ذو الفقار سويرجو أن فكرة نشر القوة الدولية قد لا تحظى بثقة سكان قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الإعلان عنها قد يكون أقرب إلى محاولة لإظهار تحرك دولي دون أن يعني ذلك تغييرًا فعليًا في الواقع الميداني.
ويقول إن الحديث عن نشر القوة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا قد يدل على أن دورها سيكون محدودًا ومرتبطًا بخطة الانتشار الأميركية–الإسرائيلية في القطاع، أكثر من كونه خطوة مستقلة لحماية المدنيين.

الكاتب والمحلل السياسي، ذو الفقار سويرجو
ويضيف أن هذه القوة قد تعمل ضمن أجندة سياسية وعسكرية محددة، خاصة في ظل غياب رؤية واضحة لمستقبل غزة، سواء على صعيد إعادة الإعمار أو معالجة الأزمة الإنسانية التي يعيشها السكان.
كما يشير إلى أن العلاقة بين هذه القوة والسكان المحليين قد تكون معقدة، في ظل استمرار الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة، ما قد يفتح الباب أمام احتجاجات شعبية أو توترات مع القوات الدولية.
ترتيبات المرحلة الانتقالية
ووفق تقارير إعلامية، فإن القوة المقترحة تندرج ضمن ما يعرف بـ"قوة الاستقرار الدولية"، وهي أحد المكونات الرئيسية للخطة الأميركية لإدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة.
وكان البيت الأبيض أعلن في 16 يناير/كانون الثاني اعتماد هياكل إدارة هذه المرحلة، والتي تشمل تشكيل "مجلس السلام" و"مجلس غزة التنفيذي" و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، إلى جانب القوة الدولية المكلفة بالمهام الأمنية.
وبحسب التصورات المطروحة، ستتولى هذه القوة قيادة العمليات الأمنية في القطاع، والمساعدة في نزع السلاح، إضافة إلى تأمين وصول المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار.
كما تنص الترتيبات على أن يبدأ انتشار القوات في مناطق محددة قبل توسيعه تدريجيًا داخل ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو خط افتراضي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي مؤقتًا بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار.
وتندرج هذه الخطوة ضمن المرحلة الثانية من الخطة الأميركية لإنهاء الحرب في غزة، والتي تتكون من عشرين بندًا وتحظى بدعم قرار قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 2803.
ورغم هذه الترتيبات، يبقى الدور الفعلي الذي قد تلعبه القوة الدولية في قطاع غزة محل نقاش واسع، في ظل تساؤلات سياسية وقانونية حول طبيعة تفويضها وحدود قدرتها على التأثير في واقع معقد سياسيًا وأمنيًا كالقطاع.

