تحتضن لمار شحادة (9 أعوام) صورة والدها الشهيد في مركز النزوح القسري وسط مدينة غزة، متمنية لو كان حيا ليضمها بين ذراعيه ويطفئ لوعة الشوق في قلبها، فتستعيد حلاوة استقبال عيد الفطر، وتودع مرارة الفقد.
لكن دموعها المسكوبة توقظها على واقع أليم يغيب فيه والدها الذي قتلته قوات الاحتلال بينما كان يحاول جلب بعض الأمتعة من منزل العائلة في حي الزيتون جنوب شرق غزة في 22 يونيو/حزيران 2024.
وتتشارك لمار هذه المعاناة مع أكثر من 56 ألف طفل يتيم استشهد أحد والديهم أو كلاهما منذ بدء الاحتلال حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في الخامس من أكتوبر الماضي.
وللمار أخوان وأخت يكبرونها وتمر عليهم الأيام ثقيلةً بينما تطرق الذكريات أبوابهم في كل مناسبة. تمسح والدتهم سوزي شحادة دموع غالبتها، قائلة لـ "فلسطين أون لاين" بصوت متشقق: اعتادوا أن يلعب أبوهم معهم كل صباح، وأن يعيشوا معه كل لحظة في رمضان أو العيد.

قبيل ارتقائه سمع الجميع أصوات طائرات الاحتلال الحربية وانفجارات القصف لكن لم يخطر ببال سوزي أن يكون زوجها الأربعيني قد استشهد، ونزل عليها النبأ كصاعقة عندما حضر إلها ابن سلفها وطلب منها أن ترتدي ملابس الخروج، فقالت له: "لا تخبرني أنه استشهد، قل لي أصيب"، فأجاب: "الله يرحمه".
وتقيم سوزي وأبناؤها منذ سنة وثمانية أشهر في غرفة صفية بمدرسة "المعتصم بالله" التي باتت مركزا لإيواء العديد من العائلات النازحة قسرًا بفعل حرب الإبادة.
بينما تحدق لمار نظرها في صورة والدها، تقول: "بابا في الجنة، آخر مرة في العيد طلعنا مع بعض وجابلنا حاجات". وتوضح أمها أن الحالة النفسية لطفلتها لا تتحسن منذ أن فقدت أباها، سواء في المدرسة أو أي مكان.
لكن ما يساعدها في مواجهة مصيبة الفقد، هو شعورها بأنها ليست وحدها. تقول الأم: "الأمر الوحيد الذي يواسينا هو أن أغلب من حولنا أيتام، أينما تنظر تجد أرامل شهداء وفاقدين أخا أو أما أو أبا، فالجرح في كل بيت".
وتخاطب العالم: "تأملوا لو كنتم مكاننا ومكان أولادنا... ما ذنب الأطفال والنساء والشباب الذين يقتلهم الاحتلال في زهرة أعمارهم؟".
وفي قصة أخرى من مآسي اليتم في غزة، تغيب مظاهر التجهيز لاستقبال العيد عن الطفلين براء وسارة الذين استشهد والدهما في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. ولا تزال أرملته عائشة حجاج تذكر أنه أبلغها بتوجهه إلى المسجد للصلاة لكنه لم يعد.
ببراءة ينصت الطفل براء (5 أعوام) لحديث والدته لـ "فلسطين أون لاين"، قبل أن يقاطعها: "كنا نروح أنا وياه على الجامع يوم العيد الصبح"، منتشلا من ذاكرته الصغيرة حدثا لم ينسه.
أما سارة التي كانت تبلغ ثلاثة أشهر عند استشهاد والدها فلا تذكر عنه شيئا، لكن عيناها تنطق وتبرق بمشاعر الحرمان من الأب.
تقول الأم عن الوضع النفسي لطفليها، إنه "صعب جدا. براء عصبي أشعر أنه يعوض الفقد بالعصبية والصراخ وهذا هو الأثر الذي يبدو عليه".
ولم تتمكن عائشة حتى الآن من شراء ملابس العيد لطفليها في ظل انعدام القدرة الشرائية أو مصدر الدخل، مبينة أنها تعتاش على ما يتوفر من مساعدات إنسانية، وقد كان زوجها يعمل قبل استشهاده خياطا بأجرة يومية ولا يتوفر له أي راتب.
مواجهة بالصبر والقرآن
في مشهد مشابه، تتوسط إيمان البسوس أطفالها الذين تكبرهم ليان (15 عاما) ويصغرهم زين (5 أعوام) وقد فقدوا أباهم شهيدا في 11 سبتمبر/أيلول 2024.
كان زين قد عاد للتو من مصفف الشعر، وتمنى لو أن والده هو من اصطحبه إلى هناك. وفي قلب كل من إخوته أمنية خاصة به عنوانها "لو كان أبي حيا...".

تقول إيمان لـ "فلسطين أون لاين": عندما حل رمضان هذا العام بكت إلين (6 أعوام)، وقالت لنا: لماذا أنتم مسرورون وبابا ليس موجودا؟ هي شديدة التعلق به، مضيفة أنها تعتزم اصطحاب أطفالها لزيارة قبره أول يوم من أيام عيد الفطر.
وتوضح أن زيارة القبر والفقد صعب على الجميع لكنه أصعب على الأطفال الذين ينظرون إلى أقرانهم في المدرسة ممن يلعبون مع آبائهم ويتجولون معهم في الأسواق ويشترون لهم احتياجات العيد وخصوصا الفتيات.
وتتشارك إيمان حاليا في رعاية أطفالها مع جدهم وجدتهم وأعمامهم، قائلة: "نريد أن نعلمهم أن الله اصطفى أباهم شهيدًا وأن يكونوا هم على دربه، فهذا ابتلاء ويجب أن نزرع في نفوس أبنائنا هذه القيم التربوية".
وتحفظ طفلتها راما 11 جزءا من القرآن، بينما يتبقى لليان ثماني صفحات، وحفظ كريم 10 أجزاء. تصف أبناءها بأنهم واعون، لكن الأصغر سنا منهم يبكون ونخبرهم بأن أباهم في الجنة، وأنه يعيش في بساتين وورود.

لكن إلين أخبرتهم أنها تتمنى لو أصابها صاروخ واستشهدت ليسألوا عنها ويعرفوا أنها ذهبت إلى حيث أبيها.
بينما تستذكر راما (12 عاما) كيف كان أبوها يصطحبها لأداء صلاة العيد، تستعيد ليان (15 عاما) ذكرى أيام كانت ترافقه فيها إلى السوق، آخرها عندما علم أنها لم تشتر حذاء بعد فاشتراه لها مع بعض الإكسسوارات وطلاء الأظافر.
وتظل ذكريات هؤلاء الأطفال وحدها ترافقهم في كل مناسبة أو عيد بعد أن غيبت حرب الإبادة آباءهم عن الحياة ولم تغيبهم عن قلوب أبنائهم.

