تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة النفسية في قطاع غزة مع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، حيث يحذر مختصون من أن تراكم الصدمات والخوف المتصاعد من عودة المجاعة يثقلان كاهل المجتمع، ويؤديان إلى انتشار القلق والتوتر وفقدان الشعور بالأمان بين السكان.
وتحذر تقارير دولية من التداعيات النفسية العميقة التي يعيشها السكان في ظل النزوح المتكرر وفقدان مقومات الحياة الأساسية، إضافة إلى القلق المتزايد من نقص الغذاء والخدمات الأساسية.
وتشير تقارير صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن ملايين الفلسطينيين في القطاع يعيشون تحت ضغوط نفسية شديدة، بينما يحتاج معظم الأطفال إلى دعم نفسي واجتماعي عاجل بعد تعرضهم لتجارب صادمة خلال الحرب.
كما تحذر تقارير إنسانية من أن استمرار الحصار ونقص الغذاء والخدمات الأساسية يعمقان حالة القلق والخوف لدى السكان، ويهددان بتفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية داخل المجتمع.
صدمة جماعية
يقول أخصائي الصحة النفسية الدكتور فواز أبو جهل إن المجتمع في قطاع غزة يعيش حالة من "الصدمة الجماعية" نتيجة الحرب المستمرة والظروف الإنسانية القاسية.
وأوضح في حديث خاص لـ "فلسطين أون لاين" أن تراكم الأحداث الصادمة الناتجة عن الحروب المتكررة والحصار المستمر أدى إلى تدهور مختلف جوانب الحياة، مشيرًا إلى أن هذه الظروف لم تؤثر على الأفراد بشكل منفصل، بل خلقت تجربة صادمة مشتركة يعيشها المجتمع بأكمله.
أخصائي الصحة النفسية، د. فواز أبو جهل
وبيّن أن الصدمة الجماعية في علم النفس تنشأ عندما يتعرض عدد كبير من الناس لحدث خطير مثل الحروب أو الكوارث التي تهدد إحساسهم بالأمان والاستقرار، حيث يمتد تأثيرها من الفرد إلى الأسرة والمجتمع، وتظهر في شكل مشاعر عامة من القلق والحزن والخوف من المستقبل.
قلق دائم
وأشار أبو جهل إلى أن أحد أبرز مظاهر الصدمة الجماعية في غزة هو الخوف المستمر من عودة الحرب، حيث يعيش كثير من السكان حالة ترقب دائم لأي تصعيد عسكري، ما يخلق حالة توتر نفسي مستمرة.
وأضاف أن القلق لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد أيضًا إلى الجانب الاقتصادي والغذائي، في ظل النقص الحاد في المواد الأساسية وارتفاع الأسعار وقلة فرص العمل.
ولفت إلى أن الخوف من عودة المجاعة أصبح أحد أهم مصادر القلق لدى السكان، خاصة بعد التجارب القاسية التي عاشها الأهالي خلال فترات نقص الغذاء والدواء.
وأوضح أن الإنسان عندما يمر بتجارب صعبة مثل الجوع أو الحصار يحتفظ بهذه الخبرات في ذاكرته، لذلك فإن أي مؤشرات لأزمة جديدة قد تعيد تنشيط مشاعر الخوف والقلق حتى قبل حدوثها فعليًا.
آثار نفسية واجتماعية
وبيّن أبو جهل أن استمرار الشعور بالخطر وفقدان الأمان يترك آثارًا واضحة على الحياة اليومية للأفراد، حيث تصبح الأولويات محصورة في تأمين الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمأوى والعلاج.
اقرأ أيضًا: هل يعود "شبح المجاعة" إلى قطاع غزة بعد إغلاق المعابر؟
كما يؤدي هذا الوضع إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر وصعوبة الشعور بالراحة أو التركيز، إضافة إلى اضطرابات النوم مثل الأرق أو الاستيقاظ المتكرر بسبب التفكير المستمر في المخاطر المحتملة.
وأشار إلى أن آثار الصدمة الجماعية تمتد كذلك إلى العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع، حيث قد تتزايد الخلافات الأسرية نتيجة الضغوط النفسية المستمرة والشعور بالإجهاد والقلق، كما قد يميل بعض الأشخاص إلى العزلة وتقليل التواصل الاجتماعي.
الفئات الأكثر تأثرًا
وأكد أبو جهل أن الأطفال والنساء وكبار السن هم الفئات الأكثر تأثرًا بالصدمة الجماعية في قطاع غزة.
وأوضح أن الأطفال يتعرضون لتأثيرات نفسية أكبر بسبب عدم اكتمال نموهم النفسي والعصبي، إضافة إلى تعرضهم المباشر لمشاهد العنف والدمار وفقدان الأمان، وأحيانًا فقدان أحد الوالدين أو أفراد من الأسرة.
وحذر من أن استمرار الظروف الصادمة لفترات طويلة قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية مزمنة مثل اضطراب ما بعد الصدمة، والقلق المزمن، والاكتئاب، واضطرابات النوم، وصعوبات التكيف الاجتماعي.
الحاجة إلى دعم نفسي
وأشار أبو جهل إلى أن الأسرة تلعب دورًا مهمًا في التخفيف من آثار الصدمة، من خلال توفير الدعم العاطفي لأفرادها، والاستماع إلى مخاوف الأطفال، والحفاظ على قدر من الروتين اليومي مثل تنظيم أوقات النوم والطعام.
اقرأ أيضًا: الإنهاك النفسي الجماعي: حين يتعب المجتمع دون أن ينهار
كما شدد على أهمية دور المؤسسات المجتمعية في تقديم برامج الدعم النفسي والاجتماعي، وتوفير مساحات آمنة للأطفال للعب والتعلم، إضافة إلى نشر الوعي بالصحة النفسية وتدريب المعلمين والعاملين مع الأطفال على كيفية التعامل مع آثار الصدمات.
تحديات أمام المختصين
في المقابل، أوضح أبو جهل أن الأخصائيين النفسيين والمؤسسات العاملة في مجال الدعم النفسي يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها نقص الموارد والإمكانات وارتفاع أعداد المتضررين مقارنة بعدد المختصين.
كما أشار إلى أن العاملين في هذا المجال قد يتعرضون لما يُعرف بـ"الإجهاد النفسي الثانوي"، نتيجة الاستماع المستمر لقصص المعاناة، في الوقت الذي يعيشون فيه الظروف الصعبة نفسها التي يعيشها المجتمع.
ودعا أبو جهل المؤسسات الدولية والإنسانية إلى تعزيز برامج الدعم النفسي والاجتماعي في قطاع غزة، مؤكدًا ضرورة اعتبار الصحة النفسية جزءًا أساسيًا من الاستجابة الإنسانية.
وأشار إلى أن المجتمع الغزي يحتاج إلى برامج دعم نفسي طويلة الأمد تساعد السكان على التعافي التدريجي واستعادة الشعور بالأمان، إلى جانب دعم المؤسسات المحلية وتدريب الكوادر العاملة في مجال الصحة النفسية لتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للسكان.