فلسطين أون لاين

الإنهاك النفسي الجماعي: حين يتعب المجتمع دون أن ينهار

في غزة، لا يبدو الناس دائمًا منهارين، ولا يصرخون باستمرار،

ولا يبدون على حافة الجنون كما تتوقع الصور النمطية.

لكن هذا لا يعني أنهم بخير.

ما تعيشه غزة اليوم أقرب إلى حالة نفسية جماعية تُعرف بـ الإنهاك النفسي المزمن:

حالة لا تُفجِّر المجتمع دفعة واحدة،

بل تُتعبه ببطء.. حتى يفقد قدرته على الإحساس، والدهشة، والغضب.

ما هو الإنهاك النفسي الجماعي؟

هو ليس اكتئابًا عامًا، ولا صدمة واحدة كبرى، بل استنزاف طويل الأمد للجهاز النفسي نتيجة:

- تهديد مستمر

- فقدان متكرر

- غياب الأفق

- وتراكم الخسائر دون وقت للترميم

في هذه الحالة:

- لا ينهار الناس.. بل يواصلون الحياة بأقل طاقة ممكنة

- لا يثورون دائمًا.. بل يصمتون

- لا يحلمون كثيرًا.. بل ينجون

كيف يظهر الإنهاك في المجتمع الغزي؟

ليس في العيادات فقط، بل في الحياة اليومية:

- تراجع التفاعل مع الأخبار

- ضعف النقاش العام

- بلادة المشاعر تجاه مشاهد كانت صادمة سابقًا

- نوبات غضب سريعة ثم خمود

- إرهاق بلا سبب “واضح”

- جملة متكررة: "مش قادر أفكر"

هذا ليس لا مبالاة، بل عقل أنهكه الاستنفار الطويل.

هل هذا خاص بغزة؟ لا.

ما يحدث في غزة ليس استثناءً إنسانيًا، بل حالة تكررت في مجتمعات عاشت حروبًا طويلة.

 سراييفو – البوسنة (1992–1995)

خلال الحصار الطويل، لاحظ الباحثون:

- تراجع ردود الفعل العاطفية

- شيوع الفكاهة السوداء

- وتحوّل “النجاة اليومية” إلى هدف نفسي كافٍ

بعد الحرب، لم ينهَر المجتمع، لكن ظهرت لاحقًا موجات اكتئاب مؤجَّلة، عندما عاد الإحساس بالأمان وسمح العقل لنفسه أن يشعر.

 فيتنام بعد الحرب مع الولايات المتحدة

الدراسات النفسية أشارت إلى:

أجيال كاملة عاشت ما يسمى Emotional Numbing

صمت طويل عن التجربة، ثم عودة بطيئة للسرد والحكي بعد سنوات، التعافي لم يبدأ فور توقف القتال، بل حين استقر الإحساس بأن الخطر انتهى فعلًا.

 رواندا بعد الإبادة

في السنوات الأولى:

كان الصمت هو السائد

والكلام يُنظر إليه كتهديد للاستقرار

التعافي لم يُبْنَ فقط على العلاج الفردي، بل على:

الاعتراف الجمعي

العدالة

وإعادة المعنى المشترك للحياة

ماذا تعلّمنا هذه التجارب؟

أن الإنهاك النفسي الجماعي: ليس ضعفًا ولا فشلًا اجتماعيًا، بل استجابة بشرية متوقعة لظروف غير إنسانية، وأن أخطر خطأ هو: مطالبة المجتمع أن “يعود طبيعيًا” فور توقف النار.

لماذا يُعدّ الوعي بهذه الحالة مهمًا لغزة؟

لأن تجاهل الإنهاك يؤدي إلى:

- سياسات قاسية على الناس

- خطاب يطالبهم بما لا يملكون

- لوم اجتماعي مبطّن: لماذا أنتم صامتون؟ لماذا لا تتحركون؟

بينما الفهم الحقيقي يقول:

المجتمع المُنهك لا يحتاج دفعًا.. بل ترميمًا.

كيف تبدأ المجتمعات التعافي فعلًا؟

التجارب العالمية تشير إلى أن التعافي لا يبدأ بـ:

- الخطب

- ولا الشعارات

- ولا الضغط النفسي على الناس

بل بـ:

- الأمان أولًا

- الاعتراف بالخسارة

- مساحات حكي دون إجبار

- إعادة بناء الثقة وإعادة المعنى، لا فقط البنية التحتية.

التعافي مسار، وليس لحظة.

خاتمة

غزة اليوم ليست مجتمعًا مكسورًا، بل مجتمع مُنهك. والفرق كبير. الإنهاك يعني أن الطاقة منخفضة، لكن الحياة ما زالت موجودة.

والسؤال ليس: لماذا لا يفعل الناس أكثر؟

بل: كيف نمنع هذا الإنهاك من أن يتحول إلى تآكل طويل الأمد؟

هذا السؤال هو بداية أي حديث صادق عن المستقبل.

المصدر / فلسطين أون لاين