فلسطين أون لاين

قِفْ مكانك ريثما يُعاد رسم الشرق الأوسط

"امكث هنا، وضع رأسك على الأرض، حتى آتي بالسيف فأقتلك". هكذا يروي ابن الأثير مشهدًا خاطفًا من أيام الغزو المغولي: يمضي الجندي، ثم يعود بالسيف، فلا يجد الرجل العربي قد برح مكانه، فيقتله. ليس أفدح الهزائم في التاريخ تلك التي يكثر فيها القتل وحده، بل تلك التي يبلغ فيها الرعب من النفوس مبلغًا يجعلها تتواطأ، من حيث لا تدري، مع ما يُنزَل بها. ومن هنا تبقى القيمة الأعمق في هذه الرواية غير كامنة في حرفيتها التاريخية بقدر ما هي في معناها الإنساني والسياسي: أن الخوف، إذا استولى على الوجدان، لم يعد محتاجًا إلى سلاسل كثيرة؛ يكفيه أمرٌ واحد، ثم يتكفّل المذعور بالباقي. ولهذا فالأدق أن تُقرأ هذه الحكاية بوصفها استعارةً عن لحظة الشلل، لا مجرد خبرٍ من أخبار الغزو القديم.

ولعل ما يضاعف مرارة الحكاية أن الرجل الذي ثبّته الخوف لم ينصره أحد، كما أن المدينة التي ابتلعها الخراب لم تنقذها يقظة من حولها. فالمأساة لم تكن في سطوة الغازي وحدها، بل في ذلك التدرج المميت الذي يجعل السقوط يقع في جهة، فلا تستيقظ له الجهات الأخرى إلا حين يصل إليها. وهكذا لا تغدو بغداد رمزًا لمدينةٍ سقطت فحسب، بل لمدينةٍ جاء دورها بعد أن سبقتها إنذاراتٌ وانهيارات بدأت في المشرق، من غير أن ينهض من ذلك كله شعورٌ جامع بأن ما يأكل الأطراف اليوم لن يترك القلب غدًا سليمًا.

على هذا المعنى تحديدًا، يبدو خطاب القوة في زماننا أقل بدائيةً في العبارة، وأكثر تعقيدًا في الوظيفة. فمنذ الساعات الأولى بعد عملية طوفان الأقصى، قال جو بايدن بوضوح إن هذا ليس وقتًا لأي طرفٍ معادٍ (لإسرائيل) أن يسعى إلى استغلال الهجمات، ثم عاد في تل أبيب يوم 18 أكتوبر ليكثف المعنى كله في ثلاث كلمات شهيرة: “Don’t. Don’t. Don’t.” وهنا لا يكون التشبيه بين الجندي المغولي وبايدن تشبيهًا في الأشخاص ولا في الأزمنة، بل في الوظيفة السياسية للعبارة: أمرٌ صارم بأن يبقى الآخرون في مواضعهم، وأن يُدار مسرح النار من دون أن يُسمح لبقية الأطراف بكسر ترتيب المشهد. ذلك هو المعنى الحديث لعبارة: قف مكانك حتى أعود.

وإذا كان الخطاب الأميركي قد قال للمنطقة، منذ الأيام الأولى: لا تقتربوا من حافة النار، فإن الفعل السياسي الغربي قال (لإسرائيل)، في اللحظة نفسها: امض. فلم تكتفِ واشنطن بإرسال رسائل الردع إلى كل من قد يفكر في توسيع الحرب، بل قرنت القول بالفعل، فدفعت بأصولها العسكرية إلى المنطقة، وواصلت تدفّق الإمداد المالي والعسكري إلى (إسرائيل)، فوق ما هو قائم أصلًا من التزامٍ سنوي ثابت. ولم تكن وحدها في ذلك؛ إذ اصطفّ شطرٌ معتبر من الغرب، سياسيًا وأمنيًا ودبلوماسيًا، ليمد يد العون إلى القوة الاحتلالية، في الوقت الذي كانت تُشدّ فيه على أيدي الآخرين كي لا يقتربوا من غزة، أو يخرجوا من حدود الدور المرسوم لهم. وهكذا لم يكن المشهد مجرد منعٍ للمنطقة من نجدة الفلسطينيين، بل كان، في جوهره، جمعًا بين فعلين متلازمين: كفُّ يدٍ هنا، وإطلاقُ يدٍ هناك.

ثم يجيء الخطاب الإسرائيلي ليكشف الغاية الأبعد من مجرد الردع أو المنع. فمنذ الأيام الأولى للحرب، تكرر على لسان بنيامين نتنياهو، بصيغ مختلفة، أن ما يجري من شأنه أن “يغيّر الشرق الأوسط” أو “يغيّر وجه الشرق الأوسط”. وهذه ليست عبارة عابرة في ذروة التعبئة، بل جملة مكثفة لخيالٍ سياسي كامل: ليس المقصود إنزال العقاب بخصمٍ بعينه فقط، بل إعادة ترتيب الإقليم بدوله وكياناته، وإنتاج شرقٍ أوسطٍ جديد تُعاد فيه تعريفات القوة، وحدود الحركة، وأثمان الاعتراض. فإذا كانت عبارة بايدن قد أدت وظيفة الحارس الذي يضبط الممرات ويأمر الآخرين بالجمود، فإن عبارة نتنياهو تكشف ما وراء الحراسة: هناك خرائط يراد لها أن تُعاد صياغتها تحت غطاء الحرب.

غير أن الأخطر من القصف ذاته هو الهندسة الخطابية التي تسبقه وترافقه. فالمشهد لا يُعرض بوصفه قضية واحدة – أرض عربية محتلة- ذات جذور مترابطة، بل يُجزَّأ ويُعاد تغليفه على نحوٍ يحول دون نشوء أي شعور بوحدة المصير. هنا تُصاغ الجبهة في لغة “الإرهاب”، وهناك تُقدَّم في صورة خطرٍ حدوديٍّ معزول، وفي موضعٍ ثالث تُردّ المسألة إلى أمن الملاحة والتجارة الدولية، ثم تُرفع في موضعٍ رابع إلى قاموس الخطر النووي و”الدولة الراعية للإرهاب”. وبهذه الصناعة الدقيقة للأسماء والأوصاف لا يعود الإقليم ساحةً واحدة تتصل فيها النيران، بل ملفاتٍ متجاورة، لكل ملفٍّ لغته، ولكل ضربةٍ مبررها، ولكل ضحيةٍ عزلتها الخاصة.

ومن هنا تنشأ أخطر نتائج الخطاب: لا يعود الإقليم جسدًا واحدًا يتلقى الطعنة فيشعر بها كله، بل أطرافًا مبعثرة، لكل طرف تهمته المصاغة له بعناية، ولكل جبهة عزلتها التي تُبعدها عن الأخرى. وما إن يُحكم إغلاق كل ساحة داخل قاموسها الخاص، حتى يسهل استفرادها، ثم الانتقال من واحدةٍ إلى أخرى، كأن المنطقة تُستنزف بالتقسيط، لا بالجملة.

وليس هذا تبسيطًا للعالم إلى مؤامرة جاهزة، بل فهمٌ للطريقة التي تُدار بها موازين القوة: لا بضربةٍ واحدة على الجميع، بل بتفريق الجميع، ثم تعاقب الضربات عليهم وهم متباعدون، حتى تنتهي المنطقة إلى صورةٍ من الفراغ الكبير: خرائط قائمة، ولكن بلا قوة اعتراض حقيقية، ولا قدرة مقاومة متماسكة، ولا شعور بأن النار التي أكلت الجار كانت، منذ البدء، تتغذى من بيت الجميع.

وهنا تستعيد الحكاية القديمة معناها الحديث. فالجندي المغولي في الرواية لم يكن محتاجًا، أول الأمر، إلى أن يقتل؛ كان محتاجًا فقط إلى أن يضمن الطاعة. وما إن ضمن الطاعة حتى صار القتل تفصيلًا لاحقًا. وكذلك تفعل القوة الكبرى حين تنجح أولًا في تنظيم الخوف قبل أن تنظم الحرب. فالمنطقة لا تُعاد صياغتها بالسلاح وحده، بل بذلك الإحساس المتدرج الذي يُقنع كل طرف بأن السلامة في السكون، وأن الحكمة في الانتظار، وأن النجاة قد تُشترى بتأجيل الدور. لكن التاريخ، قديمه وحديثه، يقول غير ذلك: من يقف طويلًا في موضعه لا يخرجُ من المذبحة، بل يدخلها متأخرًا.

وإذا كانت لغة بايدن قد أدت وظيفة الحارس الذي يقول للآخرين: لا تتحركوا، فإن اللغة الترامبية في لحظتنا الراهنة تبدو أقرب إلى نزع القناع عن المعنى نفسه؛ إذ لا تكتفي بتثبيت الأطراف وردعها، بل تميل إلى الجهر بمنطق الغلبة ذاته، وتقديمه في صورة استعراضية لا تخفي كثيرًا من التباهي بالقوة ولا قليلًا من الاستخفاف بمصائر المنطقة. فالفارق بين الرجلين، في هذا السياق، ليس أن أحدهما يريد غير ما يريده الآخر، بل أن أحدهما يصوغ إرادة الهيمنة بلغةٍ أكثر تهذيبًا، بينما يطلقها الآخر بقدرٍ أعلى من الفجاجة والثقة بالقوة. وحين تبلغ السياسة هذه الدرجة من الصراحة، لا يعود التثبيت مجرد إجراءٍ مؤقت في لحظة حرب، بل يصبح تصورًا كاملًا للعالم: عالمٌ يُطلب فيه من الآخرين أن يظلوا حيث هم، ريثما يُعاد ترتيبهم، واحدًا بعد واحد، وفق ما تقتضيه خرائط القوة لا خرائط العدل.

لذلك فالقضية ليست في عبارة نتنياهو وحدها حين يتحدث عن “تغيير وجه الشرق الأوسط”، ولا في عبارة بايدن وحدها حين يقول “لا تفعلوا”، ولا حتى في الفجاجة التي قد تتجلى بها هذه الإرادة على لسان ترامب. القضية في البنية العميقة التي تصل بين هذه العبارات جميعًا: واحدةٌ ترسم الأفق، وأخرى تحرس الطريق إليه، وثالثةٌ تنطق به من غير مواربة. واحدةٌ تقول إن المنطقة ستتغير، وأخرى تقول لمن حولها: لا تتدخلوا في كيفية تغييرها، وثالثةٌ تقول ذلك كله بلهجةٍ لا ترى في الإقليم إلا مادةً لإعادة الترتيب. وبين هذه الأصوات مجتمعة، يُراد للشرق أن يُستنزف ساحةً بعد ساحة، وكيانًا بعد كيان، حتى يستيقظ في النهاية على واقعٍ جديد: حضورٌ إسرائيلي أكثر رسوخًا، ومجالٌ عربي وإسلامي أكثر تفككًا، وقوى مقاومة أُنهكت بالعزلة والتجويف والتشويه قبل أن تُستنزف بالنار.

ولعل أفدح ما يمكن أن يصيب أمةً ليس أن يُشهر في وجهها السيف، بل أن تُؤمر بالثبات في مكانها فتطيع. عندئذٍ لا يعود السؤال: من التالي؟ بل يصبح السؤال الأشد مرارة: كيف اقتنع كل واحدٍ منا أن السيف، ما دام فوق رأس غيره، فلن يمر به؟

المصدر / فلسطين أون لاين