في أحد ممرات مستشفى بخان يونس، تعيش السيدة إيمان أبو جامع فصولًا متلاحقة من الفقد والخوف، بعدما حصد مرض غامض نجلها الأكبر موسى، فيما يواصل زوجها وابنها ياسر صراعًا قاسيًا مع المرض ذاته. ثمانية أشهر من الإقامة شبه الدائمة داخل المستشفى حوّلت حياة الأم إلى دائرة من القلق والترقب، في ظل نقص الغذاء والدواء وصعوبة السفر للعلاج خارج قطاع غزة.
لم تكن أسرة عبد المجيد عرفات تعاني أمراضًا تُذكر قبل تفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة العام الماضي، لكن المجاعة التي ضربت القطاع وارتفاع أسعار الغذاء بشكل غير مسبوق جعلا الحصول على الطعام الكافي أمرًا شبه مستحيل بالنسبة للعائلة. ومع مرور الوقت بدأ سوء التغذية يترك أثره الواضح على أفراد الأسرة.
تقول الأم إيمان أبو جامع إن أول من ظهرت عليه الأعراض كان نجلها الأكبر موسى (8 أعوام)، الذي أُدخل المستشفى بعد إصابته بحالة إعياء شديدة نتيجة سوء التغذية الحاد. مكث الطفل أربعة أشهر داخل المستشفى، لكن حالته الصحية استمرت في التدهور، قبل أن يفارق الحياة دون أن يُسمح له بالسفر لتلقي العلاج خارج القطاع.
وتضيف الأم أن صدمة فقدان موسى لم تمنحها وقتًا للحزن طويلًا، إذ سرعان ما بدأت الأعراض نفسها تظهر على شقيقه ياسر (6 أعوام)، الذي يرقد في المستشفى منذ أربعة أشهر أيضًا. وتوضح أن الأطباء شخصوا حالته على أنها سوء تغذية حاد مصحوب بنقص في مادة الألبومين في الدم وسوء امتصاص في الجسم، ما يثير شكوكًا بإصابته بحساسية القمح، غير أن الفحوصات اللازمة للتأكد من ذلك غير متوفرة.
وتقول لصحيفة "فلسطين": "ياسر يحتاج إلى حليب خاص لا يتوفر دائمًا في المستشفى، وحالته تسوء يومًا بعد يوم. لم يعد يتحكم في البول رغم أنه في السادسة من عمره، ويحتاج إلى حفاضات بشكل دائم".
ولا تقتصر المعاناة على الطفل ياسر، إذ يرقد والده عبد المجيد عرفات (47 عامًا) في قسم العناية المركزة على جهاز التنفس الصناعي، بعد أن تطورت حالته الصحية إلى تقرحات حادة وتسمم في الدم، بحسب ما أبلغها الأطباء. وتشير إيمان إلى أن حالته الحرجة تحول دون إمكانية نقله للعلاج خارج القطاع.
ثمانية أشهر أمضتها الأم داخل المستشفى، بدأت بمرافقة ابنها موسى قبل وفاته، وتستمر اليوم برعاية زوجها وابنها ياسر. وتقول إنها تقضي معظم وقتها بجوار سرير ياسر، وتقتنص لحظات قصيرة لزيارة زوجها في العناية المركزة.
وتضيف بصوت مثقل بالتعب: "أعيش بين النزوح والفقر والمرض، ولا أملك شيئًا أقدمه لهم سوى الدعاء والصبر".
أما طفلها الأصغر فيقيم لدى شقيقته من والده، وتزوره الأم بين حين وآخر لبضع ساعات فقط. تقول: "لم أذق طعم الراحة منذ أشهر، وكل ما أخشاه الآن أن أفقد ياسر كما فقدت موسى".
وبين أروقة المستشفى وأجهزة العناية المركزة، تواصل أسرة عرفات صراعها مع المرض والفقد في آن واحد، بينما يبقى مصير الطفل ياسر معلقًا بين تدهور حالته الصحية واستمرار القيود التي تحول دون سفره لتلقي العلاج خارج قطاع غزة.

