لم يعد حلم الأب محمد أبو خديجة لابنه البراء يتجاوز أمنية واحدة: أن ينجو. فالشاب الذي لم يتجاوز التاسعة عشرة، وجد نفسه فجأة في مواجهة معركة قاسية مع ورمٍ في الدماغ، تتقاطع فيها قسوة المرض مع واقع صحي منهك، ومعابر مغلقة تؤجّل فرص العلاج.
من داخل مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة، يروي الأب تفاصيل رحلة ابنه، بصوت مثقل بالقلق، تتخلله لحظات صمت يحاول فيها إخفاء خوفٍ يتسع يومًا بعد يوم.
يقول: "البراء في عمر الشباب، كان من المفترض أن ينشغل بدراسته ومستقبله مثل أي شاب، لكن المرض سرق منه كل شيء، وتركه معلّقًا بين ألمٍ لا يهدأ، وانتظارٍ لا ينتهي".
يعاني البراء من ورم سرطاني في الدماغ، وهو مرض لا يحتمل التأجيل. غير أن المأساة، كما يوضح والده، لا تتوقف عند حدود المرض، بل تمتد إلى واقعٍ يفتقر للإمكانات الطبية اللازمة للتعامل مع الحالات المعقدة.
"منذ اكتشفنا المرض، دخلنا سباقًا مع الزمن"، يقول الأب، مضيفًا: "لكننا لم نكن نواجه الورم وحده، بل نواجه منظومة صحية مثقلة لا تملك ما يكفي لإنقاذه".
ويتابع: "ابني بحاجة إلى علاج متخصص خارج القطاع، والأطباء أكدوا ضرورة التدخل العاجل، لكنه ما زال ينتظر تحويلته للسفر، وكأن المرض ينتظر معنا".
يصف الأب الأيام بأنها تمر كأنها سنوات: "كل يوم يمرّ يسرق من عمره، نرى حالته تتراجع أمام أعيننا، ونحن عاجزون عن فعل شيء".
في قطاع غزة، حيث يعاني النظام الصحي من إنهاك غير مسبوق بفعل الحرب والحصار، تتحول الأمراض الخطيرة إلى معارك غير متكافئة. فالمستشفيات، في ظل نقص الأدوية والتجهيزات والكوادر التخصصية، لم تعد قادرة على احتواء كثير من الحالات الحرجة، خصوصًا الأورام المعقدة.
ويؤكد والد البراء: "ليس المرض وحده ما يهدده… تأخر العلاج يهدده أيضًا"، مضيفًا بمرارة: "أحيانًا لا يموت المريض من المرض نفسه، بل من الانتظار".
وتتفاقم المعاناة مع استمرار القيود على السفر، خاصة مع إغلاق معبر رفح، الذي شكّل لسنوات شريان حياة لمرضى غزة الباحثين عن العلاج في الخارج.
يقول الأب: "رفح بالنسبة لنا ليس مجرد معبر… إنه باب حياة. حين يُغلق، نشعر أن كل الأبواب أُغلقت في وجه البراء".
ويضيف: "ابني يحمل تحويلة طبية ونموذج (1)، وكل الأوراق المطلوبة، لكن الأوراق وحدها لا تعالج، ولا توقف الورم".
ولا يخفي الأب شعور العجز الذي ينهش العائلة: "أن ترى ابنك يذبل أمامك دون أن تتمكن من مساعدته، هذا يفوق الاحتمال".
البراء، كما يصفه والده، لم يعد ذلك الشاب المفعم بالحيوية. أنهكه المرض، وأثقلت الأوجاع جسده. "كان قويًا ومتفائلًا، واليوم يصارع الألم بصمت… وهذا ما يؤلمني أكثر"، يقول.
ورغم محاولاته إبقاء الأمل حيًا أمام ابنه، يعترف الأب بأن الخوف يكبر داخله: "أخشى أن يسبق المرض أي فرصة للعلاج".
ويؤكد: "لسنا نطلب امتيازًا… نطلب فقط حقه في النجاة".
وتعكس قصة البراء معاناة أوسع يعيشها مرضى كثر في غزة، حيث لا تكمن الأزمة في التشخيص بقدر ما تكمن في الوصول إلى العلاج. بين معبر مغلق ونظام صحي مثقل بالحرب، يقف المرضى في طابور انتظار طويل، لا يصل بعضهم إلى نهايته.
ويقول الأب: "الاحتلال لا يكتفي بحصار الناس في معيشتهم، بل يحاصر مرضاهم أيضًا، ويجعل العلاج معركة بحد ذاته".
ويرى أن إغلاق معبر رفح لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل تهديدًا مباشرًا للحياة: "حين يُمنع مريض سرطان من السفر، فهذه ليست مسألة إجراء… بل مسألة حياة أو موت".
ورغم كل شيء، يتمسك الأب بخيط أمل رفيع، مناشدًا كل من يستطيع التدخل: "أن ينظر إلى البراء كابنٍ له، لا كملف على طاولة".
ويختتم حديثه بكلمات تختصر وجعه لصحيفة "فلسطين": "ابني لا يريد أكثر من فرصة… فرصة ليُعالج، ليعيش، ليكمل شبابه الذي يسرقه المرض. لا نريد أن نخسره لأن المعبر مغلق أو لأن الوقت نفد".
في غزة، لا يواجه البراء ورمًا في الدماغ فقط، بل يواجه واقعًا معقدًا يجعل النجاة حلمًا مؤجلًا، بين سرير المرض ومعبرٍ مغلق، فيما الوقت يمضي أسرع من قدرة الانتظار.

