يصادف 10 آذار من كل عام اليوم العالمي للقاضيات، وهو مناسبة دولية أقرّتها المنظمات الحقوقية بهدف تكريم حضور المرأة في السلك القضائي، ودورها في تعزيز المساواة وإنفاذ القانون. وفي فلسطين، يأتي هذا اليوم ليُبرز مسيرة قاضيات بارزات استطعن أن يرسمن حضورهن في منظومة العدالة القضائية، ويواجهن التحديات المهنية والإنسانية، بما يؤكد أن العدالة لا تتحقق إلا بتمثيل متوازن يضمن وجود المرأة في مواقع القرار القانوني.
لطالما كان تمثيل المرأة في الجهاز القضائي الفلسطيني جزءًا من مسار تمكين المرأة في المؤسسات الوطنية، إذ فتحت فلسطين الباب أمام النساء في مهنة القضاء منذ سنوات مبكرة، وعملت المؤسسات القضائية على توفير بيئة قانونية تُتيح للقاضيات أن يُمارسن مهامهن بنزاهة واستقلالية. وقد ساهم هذا التمثيل في ترسيخ دور المرأة داخل الهيكل القضائي الفلسطيني، ما يجعله نموذجًا يحتذى به في المنطقة.
من بين القاضيات اللواتي شكلن حضورًا وطنيًا بارزًا، تبرز القاضية إيمان ناصر الدين كأحد أهم رموز المرأة الفلسطينية في القضاء. فقد عُيّنت ناصر الدين في مواقع قضائية مهمة منذ بداية تأسيس السلطة القضائية الفلسطينية، لتصل لاحقًا إلى منصب نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى، وهو أعلى موقع قضائي تصل إليه امرأة في السلك القضائي الفلسطيني. إن مسيرة ناصر الدين تمثل إنجازًا قانونيًا وطنياً ومصدر فخر للمرأة الفلسطينية، لأنها أكدت عبر سنوات عملها في القضاء أن المرأة قادرة على الإسهام في صناعة القرارات القانونية التي تمس المجتمع ككل، بعيدًا عن أي عراقيل ثقافية أو اجتماعية.
وفي إطار التمثيل النسائي داخل المحاكم الشرعية، بزغ نجم القاضية خلود الفقيه، التي باتت اسمًا بارزًا في الساحة القضائية الفلسطينية ومن أوائل القاضيات في محاكم الشريعة. فقد نجحت الفقيه بعد اجتياز الامتحانات القضائية في أن تشغل منصب قاضية شرعية في عام 2009، لتكون بذلك من القاضيات المسلمات الرائدات في الشرق الأوسط. هذا الإنجاز لا يقتصر فقط على كسر حاجز تاريخي في القضاء الشرعي، بل يعكس أيضًا قدرة المرأة على لعب الدور القانوني في سياقات تشريعية معقدة، الأمر الذي يعزز فكرة المساواة ويقرّب القضاء من الصورة الحقيقية للمجتمع.
على صعيد متنوع يبرز أيضًا حضور القاضية سكارلت بشارة، التي تُعد أول قاضية في المحكمة الإنجيلية في فلسطين، وقد عرفت بمواقفها القانونية المتوازنة في القضايا الأسرية والمدنية، إضافة إلى عملها كمستشارة في مجال العدالة الجنسانية وحماية الأسرة. إن حضور القاضية بشارة في النظام القضائي الفلسطيني يمثل تجسيدًا لعمق التمثيل القانوني للمرأة عبر مختلف طوائف المجتمع، بما يُظهر أن العدالة لا تقتصر على الخلفية الدينية أو الثقافية، بل هي حق يتشارك فيه الجميع.
وبالتوازي مع هذه الأسماء البارزة، توجد مجموعة من القاضيات الفلسطينيات العاملات في السلك القضائي منذ عقود، مثل آسماهان الوهيدي وخلود محمد فقيه وسيرين أنبوسي، اللواتي كسرن العديد من الحواجز التقليدية في النظام القضائي الشرعي والمدني. لقد ساهم وجودهن في قاعة المحكمة في إحداث تغيّر تدريجي في النظرة المجتمعية لأدوار المرأة داخل مهنة القضاء، ما يعزز الثقة في قدرة المرأة القانونية على إدارة الملفات القانونية المعقدة والتي تتطلب تحقيقات متعمقة وفهمًا دقيقًا للقانون والنزاع القانوني.
عند الحديث عن دور القاضيات الفلسطينيات في سياق الأحداث الراهنة المتعلقة بقضية غزة، لا يمكن تجاهل البعد الحقوقي العميق الذي يتطلبه الوضع الإنساني هناك. ففي ظل الانتهاكات المتكررة التي تطال المدنيين في غزة، شاركت قاضيات فلسطينيات عبر مؤسسات قانونية وحقوقية دولية في فعاليات وندوات تتناول احترام القانون الدولي الإنساني وضرورة حماية المدنيين وحقوقهم الأساسية. لقد شكّلت مواقف القاضيات جزءًا من الجهود الحقوقية التي تدعو إلى الالتزام بالمعاهدات الدولية واتفاقيات جنيف، خاصة فيما يتعلق بحماية المرأة والطفل والمواطنين من آثار النزاعات المسلحة.
وإن كانت مهنة القضاء تُلزم القاضي أو القاضية بالحياد في إصدار الأحكام، فإن المشاركة في النقاشات القانونيّة والحقوقية حول حماية المدنيين لا تتعدى سياقها القانوني، بل تُعد واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا، إذ يُتوقع من القاضيات أن يكنّ صوتًا للحق والعدالة خارج المحكمة أيضًا، من خلال توضيح الالتزامات القانونية للدول والأطراف تجاه المدنيين وفق نصوص القانون الدولي، وهو ما ظهر في الكثير من الندوات والبيانات التي أصدرتها منظمات قانونية شاركت فيها قاضيات فلسطينيات.
وفي هذا اليوم الدولي، تتجسد أهمية وجود المرأة في قاعة المحكمة بوضوح، إذ إن مشاركتها في القضاء لا تخدم فقط العدالة القانونية، بل تُسهم في ترسيخ ثقافة القانون داخل المجتمع، وتخلق مساحة أوسع لفهم العدالة من منظور حساس للفرق بين الجنسين، وقادر على التعامل مع القضايا المرتبطة بالأسرة والمرأة والطفل بعمق إنساني واستراتيجي. إن تمثيل المرأة في السلطة القضائية يعكس رغبة المجتمع في ضمان أن تكون القرارات القانونية نابعة من فهمٍ شامل لطبيعة القضايا التي تواجه المجتمع الفلسطيني بكل فئاته.
ختامًا، يذكّرنا اليوم العالمي للقاضيات بأن العدالة ليست مجرد أحكام تُكتب على الورق فحسب، بل هي قيم يجب أن تتجسد في كل قرار قضائي، وتُمارس من خلال قاضيات وقضاة يمتلكون رؤية إنسانية، ورغبة في حماية حقوق الإنسان في أصعب الظروف. وفي فلسطين، تبقى القاضيات رمزًا حقيقيًا للقانون والعدالة، مُساهمات في صناعة الوعي القانوني، ومؤكدات أن المرأة لا تقل قدرة عن أي طرف آخر في خدمة نظام العدالة، بل إنها تُضيف رؤية إنسانية عميقة تُثري فهمنا للعدالة والمساواة في كل زمان ومكان.

