فلسطين أون لاين

تقرير طهي الطعام يتحول إلى معركة يومية مع توقف إمدادات غاز الطهي

...
أزمة غاز الطهي تكشف عمق المعاناة الإنسانية التي تعيشها النساء يوميا لإعداد الطعام
غزة/ عبد الله التركماني:

مع استمرار توقف إدخال غاز الطهي إلى قطاع غزة خلال شهر رمضان المبارك، يقف كثير من السكان أمام معضلة يومية قاسية: كيف يمكن طهي الطعام من دون غاز؟ فقد تحولت هذه المادة الأساسية إلى سلعة نادرة، لتبدأ العائلات رحلة شاقة في البحث عن بدائل بدائية مثل الحطب والكرتون والبلاستيك لإشعال النار وإعداد الطعام.

في الأزقة الضيقة وبين خيام النزوح ومراكز الإيواء، يتصاعد الدخان من مواقد مؤقتة صنعتها العائلات على عجل، بينما تنحني نساء فوق نار الحطب في محاولة لطهي وجبة بسيطة لأطفالهن. وعلى مقربة منهن، يجمع رجال وأطفال قطع الخشب من الشوارع أو من بقايا الأثاث المحطم، فيما يعلو سعال الصغار مع انتشار الدخان الكثيف في الأماكن المكتظة.

ولا تعكس هذه المشاهد مجرد أزمة وقود عابرة، بل تكشف عمق المعاناة الإنسانية التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، حيث تحولت أبسط تفاصيل الحياة اليومية، مثل طهي الطعام، إلى تحدٍ يومي يختبر قدرة العائلات على الصمود في ظل نقص حاد في الموارد واستمرار القيود على دخول الإمدادات الأساسية.

معركة يومية

داخل مركز إيواء المشتل غرب مدينة غزة، تجلس السيدة مريم برهوم خلف موقد بدائي صنعته من ثلاث حجارة كبيرة، بينما تحاول إشعال كومة صغيرة من الكرتون وقطع الخشب التي جمعتها منذ الصباح. تنفخ بهدوء في الجمر المتوهج حتى تشتعل النار أكثر، فيما يتصاعد دخان كثيف يملأ المكان ويزحف نحو الخيام المجاورة. حولها يتحرك أطفالها بين السعال ومحاولة الابتعاد عن الدخان، بينما تقف قدور الطعام الصغيرة فوق نار ضعيفة تحاول مقاومة الرياح.

تقول برهوم، وهي تلوّح بيدها لتبعد الدخان عن وجهها، لصحيفة "فلسطين": "مع توقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر الماضي، توقعنا ألا نعود إلى الطهي على الحطب والكرتون. اليوم أصبح إعداد وجبة طعام معركة يومية".

وتضيف أنها تقضي ساعات طويلة كل يوم في البحث عن أي شيء يمكن أن يحترق: قطع خشب، كرتون مهمل، أو بقايا صناديق نقل. وتقول: "أخرج صباحًا لأبحث بين الركام أو قرب الأسواق عن كرتون فارغ أو ألواح خشب مكسورة. أحيانًا أعود بيدين فارغتين، وأحيانًا أجمع ما يكفي لإعداد وجبة واحدة فقط".

في الجوار، تجلس عائلة أخرى أمام خيمتها وهي تشعل النار بالحطب، بينما يتصاعد الدخان من أكثر من موقد بدائي في الساحة، ليشكل غمامة رمادية تخنق المكان. ويركض الأطفال بين الخيام وهم يسعلون ويغطون أنوفهم بأيديهم الصغيرة.

وتقول برهوم وهي تشير إلى أطفالها: "الدخان يتعب صدورهم كثيرًا. أحيانًا يسعلون طوال الليل. لكن ماذا نفعل؟ لا يوجد غاز، ولا نستطيع أن نتركهم من دون طعام".

وتتابع: "عندما كانت تصلنا أسطوانة الغاز عبر نقاط التوزيع كنا نشعر ببعض الاستقرار. اليوم أصبح كل شيء أصعب؛ حتى طهي الأرز أو غلي الماء يحتاج إلى وقت طويل ونار قوية".

وتنظر إلى النار الصغيرة أمامها قبل أن تضيف: "أكثر ما يؤلمني هو شعور العجز. الأم يجب أن تكون قادرة على إطعام أطفالها بسهولة، لا أن تقف ساعات أمام دخان يخنقها فقط لتعد وجبة متواضعة".

ساعات من المشقة

مع اقتراب موعد الإفطار كل يوم في شهر رمضان، يبدأ هاشم الشريف (45 عامًا) رحلة شاقة للبحث عما يمكن أن يتحول إلى وقود لإشعال النار. يجوب الأزقة القريبة من مركز الإيواء الذي يقيم فيه مع أسرته، ويجمع قطع الحطب الصغيرة وبقايا الكرتون وحتى بعض قطع البلاستيك التي يجدها بين الركام، ليتمكن من طهي وجبة الإفطار لأطفاله.

يقول الشريف لـ"فلسطين"، بينما كان يرتب ما جمعه قرب موقد بدائي صنعه من حجارة متناثرة: "لم أكن أتخيل يومًا أن يأتي رمضان ولا نملك غازًا نطهو عليه طعامنا. في السابق كنا نعد الإفطار بسرعة، أما اليوم فأحتاج ساعات فقط لأجمع ما يكفي لإشعال النار".

ويضيف أن إعداد الطعام في رمضان أصبح مهمة مرهقة تستنزف الوقت والجهد، موضحًا: "أخرج منذ الظهيرة لأبحث عن الحطب. أحيانًا أعود بيدين فارغتين، وأحيانًا أجد بعض القطع الصغيرة التي لا تكفي لطهي وجبة كاملة. أشعر بالعجز عندما يقترب موعد الأذان وأنا ما زلت أحاول إشعال النار".

ولم يعد الحطب متوفرًا بسهولة كما كان في الأيام الأولى للأزمة، إذ ارتفعت أسعاره بشكل كبير مع تزايد الطلب عليه. ويقول الشريف: "حتى الحطب أصبح سلعة نادرة. وصل سعر الكيلو الواحد إلى نحو ستة شواقل، وهذا مبلغ كبير بالنسبة لعائلة بالكاد تستطيع تأمين الطعام".

ولا تقف المعاناة عند حدود البحث عن الوقود أو ارتفاع ثمنه، بل تمتد إلى المخاطر الصحية التي يسببها الدخان المتصاعد من الحطب والبلاستيك. فبينما كانت النار تشتعل تحت قدر صغير من العدس، تصاعد دخان كثيف غطى المكان، وبدأ أطفاله بالسعال.

ويقول الشريف وهو يحاول إبعاد الدخان بقطعة كرتون: "هذا الدخان يخنقنا كل يوم. أطفالي يسعلون طوال الوقت، وأحيانًا أشعر بحرقة في صدري وعيني من كثرة ما نستنشقه. لكن ماذا نفعل؟ إذا لم نشعل النار فلن يكون هناك طعام".

ويتابع: "رمضان يفترض أن يكون شهر الطمأنينة، لكننا نقضيه ونحن نفكر كيف سنشعل النار قبل أذان المغرب. كل ما أريده هو أن أستطيع طهي الطعام لأطفالي بكرامة، من دون أن أبحث في الركام عن قطع خشب أو أختنق بالدخان كل مساء".

مشكلة سياسية

وقال رئيس الهيئة العامة للبترول في قطاع غزة، إياد الشوربجي، لـ"فلسطين"، إن أزمة غاز الطهي التي يعيشها القطاع في الوقت الراهن تعود بالدرجة الأولى إلى قرار الاحتلال الإسرائيلي وقف إدخال الإمدادات عبر المعابر، مؤكدًا أن المشكلة "سياسية وليست فنية"، وأن الغاز يُستخدم كورقة ضغط على السكان في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع.

وأوضح الشوربجي أن احتياجات قطاع غزة من غاز الطهي قبل الحرب كانت تُقدَّر بنحو ثمانية آلاف طن شهريًا، وهي الكمية التي كانت تغطي الاستخدامات المنزلية والقطاعات الحيوية المختلفة، إلا أن الكميات التي دخلت القطاع منذ وقف إطلاق النار كانت أقل بكثير من هذا المستوى، ما أدى إلى عجز كبير في الإمدادات.

وأضاف: "حتى قبل الإيقاف الكامل للتوريد كنا نعاني من نقص حاد في الكميات، إذ كانت نسبة العجز تصل إلى نحو 70% من الاحتياج الفعلي، أما الآن ومع توقف الإمدادات بشكل كامل فإن العجز تجاوز 85%".

وأشار إلى أن استمرار منع إدخال الغاز يهدد بتداعيات إنسانية ومعيشية خطيرة تمس حياة أكثر من مليوني مواطن في القطاع، لافتًا إلى أن غاز الطهي يعد سلعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في الحياة اليومية.

وقال: "انقطاع الغاز يدفع آلاف العائلات إلى اللجوء إلى بدائل خطرة وغير صحية مثل الحطب والبلاستيك، وهو ما يفاقم المخاطر الصحية والبيئية، خاصة في مناطق الإيواء المكتظة".

وأضاف الشوربجي أن توقف الإمدادات لا يؤثر فقط على الاستخدامات المنزلية، بل ينعكس أيضًا على عمل المخابز والمطابخ المجتمعية وبعض المنشآت الخدمية التي تعتمد على الغاز في تشغيلها.

وتابع: "استمرار هذه الأزمة يهدد الأمن الغذائي ويعطل العديد من الخدمات الأساسية، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع خلال شهر رمضان".

وشدد على أن الحل الوحيد لإنهاء الأزمة يتمثل في إعادة فتح قنوات الإمداد بشكل فوري ومنتظم، مؤكدًا أن الهيئة تبذل جهودًا متواصلة بالتنسيق مع الجهات المختصة والوسطاء الدوليين للضغط من أجل إدخال الغاز.

وختم بالقول: "إذا استمر منع دخول الغاز، فإن الأوضاع المعيشية قد تتجه نحو مزيد من التدهور، لأن القطاع ببساطة لا يمتلك بدائل حقيقية ومستدامة لهذه المادة الحيوية".

المصدر / فلسطين أون لاين