"مفش دخل من وين نشتري احتياجاتنا؟"، بهذا السؤال يلخص محمد البلبيسي واقعه المعيشي في خيمة نزوحه القسري الممتد غرب مدينة غزة، موزعا نظرات حزينة على أطفال العائلة ومنهم اثنان فُقِد والدهما منذ تسعة أشهر دون معرفة مصيره.
وبينما يقترب شهر رمضان من منتصفه، فإن انعدام المقدرة الشرائية يجسد حال البلبيسي ومئات الآلاف من الغزيين الذين أنهكتهم حرب الإبادة الجماعية، لاسيما مع تقييد الاحتلال إدخال المساعدات الإنسانية والبضائع التجارية، قبل إعلانه عن إغلاق المعابر كافة مع غزة أول من أمس بذريعة الأوضاع الإقليمية.
إلى جانبه، يلهو الأطفال الذين تمنوا الكثير من الاحتياجات وعجز عن تلبيتها، وهو ما ينطبق على المتطلبات الأسرية أيضًا في الخيمة التي تعيش فيها ثلاث أُسر على رصيف شارع عام.
يقول البلبيسي لـ "فلسطين أون لاين": هؤلاء أبنائي وأبناء أخي المفقود ولا نعلم عنه شيئا، كان متوجها لإحضار بعض الملابس من منزلنا الواقع في منطقة الشعف لكنه لم يعد، فقدناه، وقصف الاحتلال المنزل لاحقًا.

ويصف الوضع المعيشي للعائلة بأنه صعب جدًا، قائلًا: هناك أشياء نريد شراءها من السوق ولكن لا نملك المال. أفقدتنا الحرب أعمالنا ومصادر دخلنا، ولا يستطيع الواحد منا أن يدبر حتى لقمة العيش لابنه، ونعتاش فقط على ما قد يتوفر من التكيات.
وقبل الحرب كان البلبيسي يعمل في مجال بيع البطاريات، لكنه اليوم يجد نفسه فريسة للفقر والبطالة، مبينًا أن إعلان الاحتلال إغلاق المعابر زاد الطين بلة، وسط مخاوف لدى المواطنين من عودة المجاعة التي عاشوا فصولها المرة لفترة زمنية طويلة، حتى وصل بهم الحال إلى تناول أعلاف الحيوانات.
ويقول الشاب إنه لا يتلقى مساعدات إنسانية كافية لسد رمق أسرته، بينما بات شراء بعض الخضار واللحوم والفواكه بمثابة "حلم".
التحكم في لقمة العيش
وسط مدينة غزة، تتجسد المأساة أيضًا في حكاية نائل حمادة وهو رب أسرة ويعيل ابنتين في خيمة نزوحه القسري. وكان الرجل يقطن في منطقة الصحابة بغزة لكن الاحتلال دمر بيته.
ومع انعدام قدرته الشرائية بسبب عدم وجود مصدر للدخل، استدان الرجل ليعتاش من خلال فرش يبيع عليه بعض البسكويت الخاص بالأطفال بجانب خيمته. يقول حمادة لـ"فلسطين أون لاين"، إنه لا يجني في اليوم سوى بضعة شواقل، وهو مبلغ زهيد لا يمكنه من شراء شيء.

يضيف: "قد ما يدخل عليّ في اليوم (شواقل) نعمة وفضل... لكن الأمور المعيشية صعبة جدا"، مبينا أنه يعتاش فقط على الطعام المقدم من التكية، وفي حال عدم توفره يطهو بعض الأرز دون لحوم بيضاء أو حمراء لارتفاع ثمنها.
وتتسبب أزمة السيولة أيضًا في غزة بعدم جدوى هذا "المشروع الصغير"، إذ كثيرًا ما يفشل في بيع الأطفال بسبب عدم توفر "الفكة"، بينما يعجز عن إنشاء محفظة إلكترونية في ظل الازدحام الشديد الناجم عن التضييقات التي تعرض لها الغزيون في التعامل المالي.
ويوضح حمادة أنه لم يتلق منذ فترة مساعدات إنسانية من المؤسسات الدولية، مبديا امتعاضه بالقول "الحق والعدل عند الله". وعن إغلاق المعابر، يقول الرجل إن الاحتلال يتحكم في لقمة عيش الغزيين بالقوة العسكرية.
وفي أحد شوارع مدينة غزة، كانت المسنة حاكمة الديراوي (72 عاما) متجهة سيرًا على الأقدام لتلقي العلاج من مستشفى ميداني، وقد ظهرت عليها علامات التعب.
وردا على سؤال عن مدى قدرتها على مواكبة متطلبات العيش، تجيب: "لا في شغل ولا اشي، يادوب مقضيين حالنا وهي رمضان في منتصفه".

وتضيف "حاكمة"، وهي أرملة فقدت زوجها منذ زمن، لـ "فلسطين أون لاين"، أنها لم تنجب خلال حياتها، وتعيش حاليا برفقة أحد أقاربها الذي يعيل 14 فردًا، وكان يعمل في مجال بيع السيارات لكنه بات متعطلا عن العمل أيضًا بسبب الحرب.
وكما هو حال معظم الغزيين، تقول السيدة إنها تعتاش بالأساس على ما يتوفر من المساعدات الإنسانية القليلة، وما يستطيع ذووها شراءه أحيانا، معربة عن أملها في أن توفر لها لجنة إدارة غزة المساعدة المالية وغيرها من متطلبات الإغاثة.
اقرأ أيضًا: سباق الغزيين لتأمين الأساسيات مع تصاعد المخاوف
وارتفع معدل البطالة بعد مرور عامين على الحرب بواقع 80% في قطاع غزة، وفق بيان للجهاز المركزي للإحصاء في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ويوضح "الإحصاء" في بيانه المذكور، أن الاحتلال دمر ما يزيد على 85% من البنية التحتية في قطاع غزة، وبالتالي فإن معظم الأنشطة الاقتصادية دمرت.
وفي ظل تدني القدرة الشرائية، يواجه أيضا عمل التكيات تحديات يتسبب بها الاحتلال. وفي 25 من الشهر الماضي، قال المكتب الإعلامي الحكومي في بيان إن إعلان المطبخ المركزي العالمي عزمه التوقف عن العمل يعود إلى سببين أولهما تقليص عدد الشاحنات المخصصة لإدخال المواد التموينية من 25 شاحنة يوميا إلى 5 شاحنات فقط.
والسبب الآخر هو وجود ضغوط تُمارس على المطبخ لشراء المواد الخام من داخل (إسرائيل)، بدلا من مصر، الأمر الذي يغيّر طبيعة الإمداد الإنساني، ويرفع كلفته، وفق البيان ذاته.
وبينما يمضي رمضان نحو أيامه الأخيرة، لا تطلب العائلات في غزة أكثر من قدرة بسيطة على شراء ما كان يومًا من أبسط احتياجاتها.

