لا شكّ في أن العدوان الأمريكي–الإسرائيلي يمثّل، في مرحلته الأولى، نجاحًا لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، إذ تمكّن أخيرًا من جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع إيران. وهو ما يعني أن الحكومة الإسرائيلية باتت تُشكّل عامل زعزعة استقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ ويتجلّى ذلك بوضوح من خلال خروقاتها المتواصلة لوقف إطلاق النار في غزة، واعتداءاتها المستمرة على لبنان وسوريا، وصولًا إلى اعترافها بسيادة “صومالي لاند”، وتحالفاتها الدولية المثيرة للجدل مع اليونان والهند وغيرها، في إطار محاولتها تشكيل محور جديد يخدم أهدافها الاستراتيجية.
التطورات الأخيرة تشير إلى أن طموح الحكومة الإسرائيلية لم يعد يقتصر على فرض السيادة على مدن الضفة الغربية أو إقامة مدينة يهودية على أنقاض غزة بعد تهجير سكانها، ولا حتى على فكرة “مملكة يهودا من النيل إلى الفرات”، بل تعدّى ذلك إلى حالة من الغرور السياسي والشعور بالقدرة على تصدّر المشهد العالمي كقوة عظمى عبر التحكم بالممرات البحرية والبرية، بما يتيح لها التأثير في دول العالم شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا. وقد أشار العقيد احتياط يوني تيفون إلى هذا التوجه حين قال إن السيطرة على الممرات البحرية والبرية لم تعد حلمًا بعيد المنال، وإن على إسرائيل أن تمتلك زمام المبادرة للعب دور مركزي في صياغة النظام العالمي الجديد الذي دخل مرحلة التشكل.
غير أن الحقيقة المؤلمة هي أن حالة عدم الاستقرار التي يعيشها العالم اليوم هي نتيجة مباشرة لصمت المجتمع الدولي عن الجرائم التي ارتُكبت خلال حرب الإبادة على غزة، وهو ما أوصل الحكومة الإسرائيلية إلى مرحلة متقدمة من جنون العظمة، دفعتها إلى انتهاك القوانين الدولية والإنسانية وتجاوز الخطوط الحمراء دون حسيب أو رقيب.
إن حجم العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران يدل على أن الهدف يتجاوز الردع التقليدي ليصل إلى محاولة الإطاحة بالنظام الإيراني، دون اكتراث يُذكر بالخسائر المادية أو الضحايا البشرية المحتملة. فكلّ شيء يبدو مباحًا على مذبح الحسابات السياسية، في ظل قناعة نتنياهو بأن إسقاط النظام الإيراني قد يمهّد له الطريق للفوز في الانتخابات المقبلة، بما يضمن استمرار تحكمه بالمشهد السياسي الإسرائيلي، وإتمام سيطرته على السلطة القضائية، والتهرب من كابوس المحاكمة.
وأمام هذه المعطيات، يبدو أن العالم بات مطالبًا بالتخلي عن سياسة الصمت أو الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار إزاء السياسة العدوانية التي تنتهجها حكومة نتنياهو تجاه ما هو مستقر وثابت في النظام الدولي؛ وإلا فإنه قد يدفع أثمانًا مضاعفة، إذ إن نيران الحرب لن تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الضيق، بل قد تطاله عاجلًا أم آجلًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى خطوات فعّالة وجدية لوقف الحرب، والدفع نحو مقاربات أكثر اتزانًا تعطي أولوية للاستقرار الإقليمي، وتُغلّب أدوات السياسة والدبلوماسية على منطق المواجهة المفتوحة. ويبقى نجاح المجتمع الدولي مرهونًا بمدى قدرته على الدفع نحو إقامة دولة فلسطينية ومنح الفلسطينيين حقوقهم، باعتبار ذلك ركيزة أساسية لاستعادة الاستقرار الإقليمي والدولي.

