في تطور يحمل أبعاداً قانونية وسياسية عميقة، يجري الحديث عن نية الولايات المتحدة فتح فرع لتقديم الخدمات القنصلية داخل مستوطنة إفرات المقامة على أراضي الفلسطينيين جنوب بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة.
هذه الخطوة، إن تم تثبيتها رسميًا، لا تُقرأ بوصفها إجراءً إداريًا يقتصر على تقديم خدمات لمواطنين أمريكيين، بل تُنظر إليها فلسطينيًا وحقوقيًا كتحول في طبيعة التعاطي الأمريكي مع ملف الاستيطان، وانتقال من مرحلة الدعم السياسي إلى مستوى الحضور الرسمي المباشر داخل المستوطنات.
وتأتي هذه التطورات في سياق سياسي متراكم شهد خلال السنوات الماضية قرارات أمريكية اعتُبرت انقلابًا على الإجماع الدولي، أبرزها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السابقة عام 2018.
وكان موقع "كيبا" العبري ذكر أن القنصلية الامريكية ستفتح مكتباً لها في مستوطنة "إفرات" داخل تجمع "غوش عتصيون" جنوبي الضفة الغربية، لتقديم الخدمات الدبلوماسية مثل اصدار جوازات السفر خلال هذا الأسبوع.
مدير مؤسسة الحق وأمين عام الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان شعوان جبارين، يؤكد أن هذه الخطوة تمثل تجاوزًا خطيرًا للالتزامات القانونية الدولية.

مدير مؤسسة الحق وأمين عام الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، شعوان جبارين
ويقول جبارين لـ "فلسطين أون لاين"، أن الولايات المتحدة "لا تقيم وزنًا لالتزاماتها القانونية"، معتبرًا أن هذه الخطوة تأتي في سياق "تعزيز الاحتلال وجريمة الحرب المتمثلة في الاستيطان"، لا سيما – بحسب وصفه – أن واشنطن شريكة في كل جرائم الحرب والإبادة ضد الشعب الفلسطيني، وهي الداعم الرئيسي للاحتلال.
ويستعرض جبارين البعد التاريخي للتعاطي الدولي مع المستوطنات، موضحًا أنه "تاريخيًا كان هناك عرف دولي واضح بأن لا خدمات رسمية ولا زيارات من جهات رسمية إلى المستوطنات، باعتبارها تشكل جريمة وانتهاكًا للقانون الدولي الإنساني".
اقرأ أيضًا: "حماس": تقديم خدمات رسمية أمريكية داخل مستوطنة بالضفة انتهاكٌ علنيٌّ للقانون الدولي
ويرى أن هذا المسار بدأ بالتراجع "عندما نقلت الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس"، في إشارة إلى قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب آنذاك نقل السفارة إلى القدس عام 2018، وهو القرار الذي اعتبره الفلسطينيون خروجًا عن الإجماع الدولي.
ويشير جبارين إلى أن هذه الخطوة الجديدة تعزز مسارًا متدرجًا لتكريس الاستيطان، موضحًا أن الولايات المتحدة "لا تقيم وزنًا للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاحتلال غير شرعي في الأرض المحتلة"، في إشارة إلى مواقف محكمة العدل الدولية التي طالبت الدول بعدم المساعدة في تعزيز الاحتلال والعمل بدلًا من ذلك على إنهائه.
ويضيف: "أمريكا تقوم بما هو مخالف لكل المبادئ، ولم يعد هناك لغة قانونية تعمل بها، بل تنتهك القانون بشكل واضح". ويرى أن تقديم خدمات قنصلية لمن يحملون الجنسية الأمريكية ويقيمون في المستوطنات "يعني أنك تتعامل مع أشخاص يسكنون في مستوطنات غير قانونية، وبالتالي تعزز جرائم الحرب وتحاول إضفاء شرعية على اللامشروع".
وعلى صعيد التحرك الدولي، يستبعد أن يصدر عن مجلس الأمن الدولي أي موقف عملي في ظل الدعم الأمريكي لـ(إسرائيل)، رغم أن الخطوة – كما يقول – "تناقض قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالاستيطان والتي تؤكد عدم شرعية المستوطنات ووجوب عدم التعامل معها".
ويرى أن الخيار قد يكون بالتوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، رغم إقراره بأن "أمريكا لا تقيم وزنًا لقرارات الجمعية العامة أيضًا، وتتصرف خارج التزاماتها القانونية وبطريقة أقرب إلى البلطجة السياسية".
وتُعد المستوطنات في الضفة الغربية، وفق القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، غير شرعية وتشكل انتهاكًا لاتفاقية جنيف الرابعة. كما أكدت مواقف محكمة العدل الدولية في آرائها الاستشارية عدم مشروعية الاحتلال والإجراءات المرتبطة به، داعية الدول إلى عدم تقديم أي مساعدة أو دعم من شأنه تكريس هذا الواقع.
من جهته، يؤكد عضو اللجنة الفلسطينية لمقاطعة (إسرائيل)، د. مازن قمصية، أن فتح فرع قنصلي في إفرات "مخالف للقانون الدولي، وهذه المخالفات تُعد جرائم حرب". ويذهب أبعد من ذلك بالقول إن “أمريكا مشاركة فعلية في كل جرائم الحرب الإسرائيلية، من الإبادة إلى التطهير العرقي، وصولًا إلى إنشاء ما يسمى مجلس السلام".

عضو اللجنة الفلسطينية لمقاطعة الاحتلال، د. مازن قمصية
ويقول قمصية لـ "فلسطين أون لاين"، إن هذه الإجراءات تأتي في سياق أوسع يشمل "ضم القدس وفرض السيادة الإسرائيلية على مناطق (ج)"، معتبرًا أن واشنطن "شريكة في تقويض الحقوق الدولية للشعب الفلسطيني".
ويشدد قمصية على أن "إفرات مستوطنة غير قانونية، وكل شخص يقيم فيها يخالف القانون الدولي"، معتبرًا أن الخطوة الأمريكية تمثل "اعترافًا علنيًا بالاحتلال على الضفة الغربية".
اقرأ أيضًا: ماذا يعني فتح خدمات قنصلية أمريكية داخل المستوطنات؟
ويرى أن حكومة الاحتلال الحالية المتطرفة تدفع باتجاه تكريس وقائع جديدة على الأرض، وأن الإدارة الأمريكية "تعمل كما تريد (إسرائيل)"، معتبرًا أن ما يجري يعكس انسجامًا سياسيًا بين الطرفين.
ويضع فتح السفارة الأمريكية في القدس سابقًا، وفتح القنصلية في إفرات حاليًا، ضمن "إطار تكريس الواقع الاستيطاني وخلق وقائع جديدة بالقوة في القدس والضفة".
ويحذر قمصية من أن القنصلية "لن تقتصر على تقديم خدمات إدارية، بل ستُستخدم لفرض وقائع جديدة”، مضيفًا أنه "ليس من المستبعد فتح سفارات أمريكية في أماكن أخرى داخل المستوطنات مستقبلًا".

