فلسطين أون لاين

#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة

﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ القلم: 1

في زمنٍ احترق فيه الحجر والبشر، وتكسّرت فيه ملامح الحياة كما تتكسّر المرايا تحت أقدام العاصفة، بقي الكتاب في غزة شاهدًا لم يُقصف، وصوتًا لم يُخنق، ورفيقًا لا يُغادر. حين سقطت البيوت، وانقطعت السبل، وأُغلقت المدارس، وتعطّلت الفصول، لم يتعطّل الوعي، ولم يُغلق باب المعرفة؛ بل لجأ الناس إلى خير جليس في الزمان: كتابٌ يُؤنس، ويهذّب، ويُبصّر، ويمنح في زمن المنع فسحة نجاةٍ من ضيق الحديد والنار.

ازدحم الناس على ما تبقّى من مكتباتٍ قليلة نجت من ألسنة المحرقة، يفتّشون بين رفوفها عن نجاةٍ فكرية وسط الهلاك المادي، وكأنهم يهمسون للعالم: إنّا نقرأ لنقاوم، نكتب لنحيا، نرتّل لنبقى. وبين الركام، كانت جلسات السرد القرآني تُعقد تحت الشِباك الممزّقة، ومجالس الحفظ تُقام في خيام الإيواء، والصغار يُلقّنون كلام الله بدل دروس الفصول الغائبة، وكأن غزة تقول: إن حُرمنا من الكتب المقرّرة، فلنُعانق الكتاب المقدّس.

وفي قلب الجوع والقصف والمجازر، أمسك البعض بالقلم كما يُمسك المجاهد بندقيته؛ يدوّن، ويؤرّخ، ويبعث برسائل من قلب الجراح، ليكون ما يُكتب “علمًا يُنتفع به”، أمانةً للغد، وزادًا لما بعد الرحيل. إنها غزة التي حين ضاقت بها الأرض بما رحبت، وسُلبت منها ضروريات البقاء، جعلت القرآن زادها، والكتاب سلاحها، والقلم خندقها، تُبايع الله على البقاء بالمعرفة، وتعلن للعالم: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

لم تكن القنابل تدمّر البيوت والأرواح فحسب، بل أحرقت المكتبات العامة ومكتبات الجامعات، ومكتبة أكاديمية الدارة والسياسة، ملايين الكتب والمخطوطات التي كانت تمثّل تاريخًا علميًا وثقافيًا هائلًا، ورصيدًا لا يُقدّر بثمن للأمة وأجيالها. مشهدٌ يستدعي مأساة التتار حين أضرموا النار في بيت الحكمة ببغداد، فاسودّ دجلة بحبر الكتب، وانهارت حضارة في لحظة غضب. لكن كما نهضت الأمة من رماد بغداد، لم تمت غزة، ولم تُمحَ ذاكرتها، ولم تخبُ جذوة المعرفة في أعماق شعبها. كانت الكتب هدفًا لآلة التدمير، لكن الثقافة لا تموت بالرماد، ونور العلم لا يُطفئه دخان.

نجت مكتبات قليلة في غزة وشمالها، وحدّث أصحابها عن إقبالٍ غير مسبوق على شراء الكتب في زمن المحرقة. وهذا طبيعي؛ فالفراغ الذي خلّفه تعطّل الحياة فتح نافذةً للوعي، وصدق النبي ﷺ: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”. ملّ الناس متابعة الأخبار التي تدور في حلقةٍ مفرغة، فاختاروا أن يغادروا ضجيج الشاشات إلى سكينة الصفحات.

وكان خير كتابٍ القرآن. ملازمةٌ لتلاوته، وتعليمه، وتفسيره، وحفظه؛ نعمةٌ عظيمة اختصّ الله بها غزة، المعروفة بصفوة الحفاظ بالآلاف، وبالسرد القرآني في جلسةٍ واحدة ممتدة. حتى في نار المحرقة، عُقدت مسابقات السرد في مراكز الإيواء، وكانت مجزرة الفجر في مدرسة التابعين لمئةٍ من الحفاظ تواعدوا لسرد كتاب الله في جلسة؛ كأنهم يثبتون أن الدم لا يطفئ النور، وأن القرآن لا يُحاصر.

ومع إغلاق المدارس وضياع عامٍ دراسي كامل، شُغل الفراغ بالقرآن، وبانتقاء الكتب، وبالكتابة. ﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾؛ فامتشقتُ القلم، وكتبت في مجالاتٍ عدة، جلّها عن المحرقة والطوفان: فكانت “رواية النار ذات الوقود”، وكانت “رسالة قرآنية من محرقة غزة”، وكان كتاب السياسة “التعافي الفلسطيني”، إلى جانب استيفاء كتب التخصص في المسار العلمي، لتأخذ طريقها للنشر ضمن مشروعٍ أوقفته لله عز وجل قبل المحرقة: “علمٌ يُنتفع به”.

رجاءُ إرثٍ علمي يتداوله الناس، ويحفظ الأجر رغم الغياب، ودعاءٌ بالقبول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وتوسّلٌ بالتوفيق: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

هكذا كانت غزة في محرقتها: مدينةً تُحاصر بالنار، وتتحصّن بالنور؛ يُقصف حجرها، ولا يُقصف فكرها؛ يُحرق ورقها، ولا يُحرق وعيها؛ وتبقى، ما بقي القلم، وما سطر الصابرون.

المصدر / فلسطين أون لاين